المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٨٠ - إمكان نسخ القرآن
لقياسهما على المصالح و المفاسد التي تتبدل و تتغير بحسب اختلاف الأحوال و الأزمان، و لا يبعد في أن يكون الشيء ذا مصلحة في زمان ذا مفسدة في زمان آخر، و إن كان لا يعلم ذلك إلّا من قبل الشارع العالم المحيط بحقائق الأشياء، و هذا غير معنى الحسن و القبح اللذين نقول فيهما أنه يستحيل فيهما الانقلاب.
مضافا إلى: أن الأشياء تختلف فيها وجوه الحسن و القبح باختلاف الأحوال مما لم يكن الحسن و القبح فيه ذاتيين، كما تقدم هناك.
و إذا كان الأمر كذلك فمن الجائز أن يكون الحكم المنسوخ كان ذا مصلحة ثم زالت في الزمان الثاني فنسخ، أو كان ينطبق عليه عنوان حسن ثم زال عنه العنوان في الزمان الثاني فنسخ، فهذه هي الحكمة في النسخ.
٣- و قيل: إذا كان النسخ- كما قلتم- لأجل انتهاء أمد المصلحة، فينتهي أمد الحكم بانتهائها، فإنه- و الحال هذه- إما أن يكون الشارع الناسخ قد علم بانتهاء أمد المصلحة من أوّل الأمر و إما أن يكون جاهلا به.
لا مجال للثاني؛ لأن ذلك مستحيل في حقه تعالى، و هو البداء الباطل المستحيل فيتعين الأوّل، و عليه: فيكون الحكم في الواقع مؤقتا و إن أنشأه الناسخ مطلقا في الظاهر، و يكون الدليل على النسخ في الحقيقة مبينا و كاشفا على مراد الناسخ.
و هذا هو معنى التخصيص، غاية الأمر: يكون تخصيصا بحسب الأوقات (١) لا الأحوال (٢)، فلا يكون فرق بين النسخ و التخصيص إلّا بالتسمية.
و الجواب: نحن نسلم أن الحكم المنسوخ ينتهي أمده في الواقع و الله عالم بانتهائه، و لكن ليس معنى ذلك أنه مؤقت، أي: مقيد إنشاء بالوقت، بل هو قد أنشئ على طبق المصلحة مطلقا على نحو القضايا الحقيقية، فهو ثابت ما دامت المصلحة كسائر الأحكام المنشأة على طبق مصالحها، فلو قدر للمصلحة أن تستمر لبقي الحكم مستمرا، غير أن الشارع لما علم بانتهاء أمد المصلحة رفع الحكم و نسخه.
و هذا نظير أن يخلق الله الشيء، ثم يرفعه بإعدامه، و ليس معنى ذلك أن يخلقه مؤقتا على وجه يكون التوقيت قيدا للخلق و المخلوق بما هو مخلوق؛ و إن علم به من
(١) و مثاله: لا تصم يوم العيدين مثلا، فهذا تخصيص لعمومات استحباب الصوم.
(٢) و مثاله: لا تصم حالة كونك ضعيفا، هذا تخصيص أحوال لعمومات استحباب الصوم.