المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٢٧ - الترجيح بالشهرة
أما الأولى: فلم يرد فيها من الأخبار ما يدل على الترجيح بها، فإذا قلنا بالترجيح بها، فلا بد أن يكون بمناط وجوب الترجيح بكل ما يوجب الأقربية إلى الواقع، على ما سيأتي وجهه، غاية الأمر: أن تقوية الرواية بالعمل بها يشترط فيها أمران:
مستندا إلى هذه الرواية و اطلاعهم على قرائن و أمارات تدل على صحة هذه الرواية، لقرب عصرهم من زمان حضور الأئمة (عليهم السلام) و خفيت تلك القرائن و الأمارات علينا؛ لبعد زماننا و هذا أمر ممكن عادة لا استبعاد فيه.
أما في الصورة الأولى: فلا يمكن استكشاف كون الفتوى مستندة إلى تلك الرواية الضعيفة؛ لإمكان كونهم معتمدين على تلك القاعدة، سواء أ كان المتأخرون متفقين في الفتوى أو لا، فانضمام المتأخرين إليهم لا أثر له.
- أما في الصورة الثانية: فنفس الشهرة بين المتقدمين كافية لاستكشاف أن فتواهم مستندة إلى الرواية الضعيفة، و لا حاجة إلى انضمام الشهرة بين المتأخرين إلى شهرتهم» [١]. و أهم ما يدل على هذا المرجح المقبولة و المرفوعة اللتان تم الحديث عنهما مفصلا في الترجيح بالصفات.
و قد جاء في «مقبولة» ابن حنظلة: «و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور». و المراد بالخبر المشهور: ما شاع و ذاع عند أهل الحديث، و يقابله الشاذ، و عليه: يكون المراد من الشهرة هنا: الشهرة الروائية دون الفتوائية و العملية.
و قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): «إن سيرة العلماء و طريقتهم في باب الترجيح مستمرة على تقديم الخبر المشهور على الشاذ».
و قال السيد محمود الهاشمي عن السيد الصدر (قدس سره): «أما استفادة الترجيح بالشهرة من هاتين الروايتين، فقد ناقش فيها جملة من المحققين بأن المراد من الشهرة التواتر و الاستفاضة في النقل، و في مثل هذه الحالة تسقط الرواية الشاذة عن الحجية في نفسها لمعارضتها مع دليل قطعي، فلا يكون الأخذ بالمشهور من باب الترجيح بل من باب تمييز الحجة عن اللاحجة».
و التحقيق: أن الشهرة إذا لوحظت بالنسبة إلى الرواية بما هي حكاية عن حديث المعصوم، تكون ظاهرة في الشهرة الروائية المساوقة مع الاستفاضة، و إذا لوحظت بالإضافة إلى الرواية بما هو رأي نقل عن المعصوم كانت ظاهرة في الشهرة الفتوائية و العملية عند الفقهاء. و لا يبعد أن يكون ظاهر المرفوعة إرادة الاشتهار في الفتوى لا في الرواية بقرينتين:
أولاهما: ما جاء في افتراض السائل تعليقا على الترجيح بالشهرة من إمكان اشتهار الروايتين المتعارضتين معا، و هذا لا يناسب الشهرة في الرواية المساوقة مع قطعية الصدور، إذ لو أريد ذلك لم يبق مجال بعد ذلك للترجيح بالأعدلية و الأوثقية عقلائيا. و دعوى: إن الشهرة الروائية حينما توجد في المتعارضين معا لا يحصل القطع بالصدور منها، مدفوعة: بأن هذا إنما يصح فيما إذا كان يستبعد صدور أحاديث متعارضة، من الأئمة (عليهم السلام)، و لا استبعاد في صدورها عنهم بعد ما عرف من
[١] راجع: كتاب منتهى الأصول ج ٢، ص ٧٨٤- ٧٨٧.