المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٥ - ١٠- مقدمات دليل الانسداد (١)
و لا ضير حينئذ بالرجوع إلى الأصول العملية لانحلال العلم الإجمالي بقيام الظن في معظم المسائل الفقهية إلى: علم تفصيلي بالأحكام التي قامت عليها الحجة، و شك بدوي في الموارد الأخرى، فتجري فيها الأصول.
ثم قال الشيخ الأنصاري في مقام عده للأقوال: «الثاني مقابل هذا، و هو من يرى أنّ المقدمات المذكورة لا تثبت إلّا اعتبار الظنّ في نفس الأحكام الفرعيّة. أمّا الظنّ بكون الشيء طريقا مبرئا للذمّة فهو ظنّ في المسألة الأصوليّة لم يثبت باعتباره فيها من دليل الانسداد لجريانها في المسائل الفرعيّة دون الأصوليّة. إلّا أن صاحب الكفاية- على حد تعبير المروج- قال: «في جواب من توهم القول باختصاص حجّيّة الظن بالواقع، و توضيحه: أن الغرض من جريان المقدمات في الفروع هو حجّيّة الظن في مقام تفريغ الذمة و تحصيل الأمن من العقوبة المترتبة على مخالفة التكليف، و من المعلوم: إنه لا فرق حينئذ بين الظن بالواقع و بين الظن بالطريق ... ثم يعلل الآخوند (قدس سره) لقوله «موجب لكفاية الظن بالطريق» يعني: أن الوجه في كون جريان المقدمات في الفروع موجبا لكفاية الظن بالطريق هو وحدة المناط في الموردين أعني الفروع و الأصول، و هو تحصيل الأمن من العقوبة، لتساوي الظنين فيهما فيما هو هم العقل من تحصيل المؤمن و الخروج عن عهدة التكليف».
- و أما بالنسبة إلى من قال أن نتيجة هذه المقدمات على تقدير تماميتها هي حجّيّة الظن بالطريق؛ كما ذهب إلى هذا القول بعض الفحول على حد تعبير صاحب الكفاية و هو- كما في حاشية المحقق الآشتياني- المحقق الشيخ أسد الله الشوشتري، و تبعه في ذلك تلميذاه المحققان صاحب الحاشية، و أخوه صاحب الفصول (قدس سره)، و استدلّ صاحب الحاشية (قدس سره) لمطلبه بدليلين: «الأوّل: و تبعه في ذلك صاحب الفصول أيضا: و هو أنّه كما نقطع بأنّنا مكلّفون بتكاليف فعلية إلزامية، وجوبية أو تحريمية في زماننا هذا، و بعبارة أخرى: نعلم إجمالا بوجود واجبات و محرّمات في الشريعة، و ليس لنا علم و لا علمي يعيّنها كذلك نعلم علما إجماليا بأنّ الشارع الأقدس جعل لنا طرقا وافية بها إليها.
و نتيجة هذا العلم الإجمالي الثاني: هو أنّنا فعلا مكلّفون بالعمل بتلك الطرق و الأخذ بها و الجري على طبقها، و حيث لا علم بها و لا علمي على تعيينها، و لا طريق إلى معرفتها- لا طريقا ذاتيا كالقطع، و لا طريقا مجعولا من طرف الشارع، كالظنون المعتبرة عنده- فلا مناص إلّا عن تعيينها بالظنّ غير المعتبر عند الشارع، و الذي لا دليل على عدم حجّيته.
و بعبارة أخرى: لا بدّ من تعيين تلك الطرق المجعولة المعلومة إجمالا بالظنّ الذي لا دليل على حجيّته، و لا على عدم حجيّته. فبمثل الظنّ القياسي لا يمكن تعيينها و معرفتها؛ لأنّ تعيينها بالظنّ القياسي يكون عملا به، و الشارع نهى عن العمل به، و أمّا تعيينها بالظنّ المعتبر فخروج عن فرض الانسداد.
و بعد أن كان مؤدّى تلك الطرق المجعولة المعلومة إجمالا هي الأحكام الفعلية المتوجّهة إلى المكلّفين التي يجب الأخذ بها و العمل على طبقها، و المفروض: عدم علم و لا علمي لتعيينها فلا بدّ من الرجوع إلى الظنّ في تعيينها، لأنّه لا شيء أقرب من الظن إلى إصابة الواقع الذي هو الغرض الأصلي.
و هذا حاصل ما أفاده المحقق صاحب الحاشية (هداية المسترشدين: ٣٩١)، و أخوه صاحب الفصول