المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٨ - ٢- التفصيل بين الشك في المقتضى و الرافع
في محله و أبعد منه إرادة حذف المضاف.
ثانيا: إنه من المسلم به عند الجميع الذي لا شك فيه أيضا أن النهي عن نقض اليقين في الأخبار ليس على حقيقته. و السر واضح، لأن اليقين حسب الفرض منتقض فعلا بالشك، فلا يقع تحت اختيار المكلف فلا يصح النهي عنه.
و حينئذ، فلا معنى للنهي عنه إلّا أن يراد به عدم الاعتناء بالشك عملا و البناء عليه كأنه لم يكن، لغرض ترتيب أحكام اليقين عند الشك، و لكن لا يصح أن يقصد أحكام اليقين من جهة أنه صفة من الصفات لارتفاع أحكامه بارتفاعه قطعا، فلم يكن رفع اليد عن الحكم عملا نقضا له بالشك بل باليقين لزوال موضوع الحكم قطعا (١).
و عليه: فالمراد من الأحكام: الأحكام الثابتة للمتيقن بواسطة اليقين به، فهو تعبير آخر عن الأمر بالعمل بالحالة السابقة في الوقت اللاحق، بمعنى: وجوب العمل في مقام الشك بمثل العمل في مقام اليقين، كأن الشك لم يكن، فكأنه قال: اعمل في حال شكك كما كنت تعمل في حال يقينك و لا تعتني بالشك.
إذا عرفت ذلك فيبقى أن نعرف على أي وجه يصح أن يكون التعبير بحرمة
(١) كارتفاع وجوب التصدق إذا نذر ذلك ما دام متيقنا بحياة زيد، و إلّا فلا.
فالنقض الحقيقي غير مراد هنا قطعا سواء أريد باليقين نفسه كما هو ظاهر القضية، أم المتيقن من باب المجاز في الكلمة، أم آثار المتيقن بالإضمار، و تقدير «آثار» بأن يكون قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين» بمنزلة قوله «لا تنقض آثار المتيقن» فيكون هنا مجازان أحدهما في الكلمة، لأنه استعمل اليقين في المتيقن، و الآخر في الحذف و هو تقدير «الآثار» المضاف إلى اليقين الذي أريد به المتيقن. و إذا ثبت عدم كون النقيض حقيقيا على كل تقدير، فلا محالة يراد به النقض من حيث العمل، لأنه مما يكن تعلق النقض به، إذ مرجع عدم النقض حينئذ إلى عدم رفع اليد عن العمل، لأنه مما يمكن تعلق النقض به، إذ مرجع عدم النقض حينئذ إلى عدم رفع اليد عن العمل السابق الواقع على طبق اليقين، فكأنه قيل: (أبق عملك المطابق لليقين). و هذا المعنى قابل لتعلق الخطاب به، لأنه في حال اليقين كالوضوء مثلا كان يصلي و يطوف و يمس كتابة المصحف مثلا، و في حال الشك يبقي هذه الأعمال، و لا فرق في إرادة إبقاء العمل من «لا تنقض» بين إرادة المتيقن من «اليقين» و إرادة آثار المتيقن منه.
و قد ظهر من هذا البيان: إن الإبقاء من حيث العمل لا فرق فيه بين تعلق اليقين بما فيه اقتضاء البقاء و تعلقه بما ليس في ذلك، لوضوح: صدق الإبقاء عملا في كلتا الصورتين على حد سواء في نظر العرف. (منتهى الدراية في توضيح الكفاية للسيد محمد جعفر الجزائري المروج).