المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٧ - ١٠- مقدمات دليل الانسداد (١)
و إهمالها و طرحها يقع بفرضين:
الوجه الثالث: استلزام الخروج عن الدين كما عن الشيخ الأنصاري (قدس سره) في قوله: «إن الرجوع في جميع تلك الوقائع إلى نفي الحكم مستلزم للمخالفة القطعيّة الكثيرة، المعبّر عنها في لسان جمع من مشايخنا بالخروج عن الدين، بمعنى: أن المقتصر على التديّن بالمعلومات التارك للأحكام المجهولة جاعلا لها كالمعدومة يكاد يعد خارجا عن الدين، لقلّة المعلومات التي أخذ بها و كثرة المجهولات التي أعرض عنها. و هذا أمر يقطع ببطلانه كل أحد بعد الالتفات إلى كثرة المجهولات، كما يقطع ببطلان الرجوع إلى نفي الحكم، و عدم الالتزام بحكم أصلا لو فرض انسداد باب العلم و الظنّ الخاص في جميع الأحكام و إطماس هذا المقدار القليل من الأحكام المعلومة. فيكشف بطلان الرجوع إلى البراءة عن وجوب التعرّض لامتثال تلك المجهولات و لو على غير وجه العلم و الظنّ الخاص، لا أن يكون تعذّر العلم و الظنّ الخاصّ منشأ للحكم بارتفاع التكليف بالمجهولات، كما توهّمه بعض من تصدّى للإيراد على كلّ واحدة من مقدمات الانسداد.
نعم هذا إنّما يستقيم في حكم واحد أو أحكام قليلة لم يوجد عليه دليل علميّ أو ظنّيّ معتبر، كما هو دأب المجتهدين بعد تحصيل الأدلة و الأمارات في أغلب الأحكام. أما إذا صار معظم الفقه أو كله مجهولا، فلا يجوز أن يسلك فيه هذا المنهج.
و الحاصل: أنّ طرح أكثر الأحكام الفرعيّة بنفسه محذور مفروغ عن بطلانه، كطرح جميع الأحكام لو فرضت مجهولة».
ثم استشهد الشيخ الأنصاري (قدس سره) على هذا الوجه بتأييدات في كلام جماعة من القدماء و المتأخرين منهم الصدوق في الفقيه، و منهم: المحقق في المعتبر في مسألة خمس الغوص، و منهم العلامة في نهج المسترشدين في مسألة إثبات عصمة الإمام (عليه السلام)، حيث ذكر: أنّه (عليه السلام) لا بدّ أن يكون حافظا للأحكام. و استدلّ: بأنّ الكتاب و السنّة لا يدلّان على التفاصيل- إلى أن قال: و البراءة الأصليّة ترفع جميع الأحكام.
و منهم: بعض أصحابنا في رسالته المعمولة في علم الكلام المسمّاة بعصرة المنجود، حيث استدلّ على عصمة الإمام (عليه السلام)، بأنّه حافظ للشريعة، لعدم إحاطة الكتاب و السنّة به- إلى أن قال:- «و القياس باطل، و البراءة الأصليّة ترفع جميع الأحكام».
و منهم: الفاضل المقداد في شرح الباب الحادي عشر إلّا أنه قال: «إنّ الرجوع إلى البراءة الأصليّة يرفع أكثر الأحكام».
و منهم: المحقق الخوانساريّ فيما حكي عنه السيّد الصدر في شرح الوافية، و منهم: صاحب الوافية.
و منهم: بعض شرّاح الوسائل، و منهم: المحدث البحراني صاحب الحدائق. و منهم: العضدي، تبعا للحاجبي، حيث وقع في كلام هؤلاء العلماء من القدماء و المتأخرين تصريحا أو تلويحا ما ينطبق مع هذا الوجه، و قد ذكر الشيخ الأنصاري (قدس سره) هذه التأييدات المطابقة بالتصريح أو التلويح على هذا الوجه الذي ذكره الشيخ الأنصاري (قدس سره) و غيره من العلماء. فمن أراد التفصيل و قراءة أقوال العلماء من القدماء فليراجع الرسائل.