المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦٥ - هل الاستصحاب أمارة أو أصل (١)؟
هل الاستصحاب أمارة أو أصل (١)؟
بعد أن تقدم إنه لا يصح توصيف قاعدة العمل للشاك- أية قاعدة كانت- بالحجة في باب الأمارات يتضح لك: إنه لا يصح توصيفها بالأمارة، فإنه تكون أمارة على أي شيء و على أي حكم. و لا فرق في ذلك بين قاعدة الاستصحاب و بين غيرها من الأصول العملية و القواعد الفقهية.
إذ أن قاعدة الاستصحاب في الحقيقة مضمونها حكم عام و أصل عملي يرجع إليها المكلف عند الشك و الحيرة ببقاء ما كان. و لا يفرق في ذلك بين أن يكون الدليل عليها الأخبار أو غيرها من الأدلّة كبناء العقلاء، و حكم العقل، و الإجماع.
و لكن الشيخ الأنصاري «أعلى اللّه مقامه» فرق في الاستصحاب بين أن يكون مبناه الأخبار فيكون أصلا، و بين أن يكون مبناه حكم العقل فيكون أمارة. قال ما نصه:
(إن عد الاستصحاب من الأحكام الظاهرية الثابتة للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم نظير أصل البراءة و قاعدة الاشتغال مبني على استفادته من الأخبار. و أما بناء على كونه من أحكام العقل: فهو دليل ظني اجتهادي نظير القياس و الاستقراء على القول بهما).
أقول: و كأن من تأخر عنه أخذ هذا الرأي إرسال المسلمات، و الذي يظهر من القدماء: أنه معدود عندهم من الأمارات كالقياس، إذ لا مستند لهم عليه إلّا حكم العقل. غير أن الذي يبدو لي: إن الاستصحاب- حتى على القول بأن مستنده حكم العقل- لا يخرج عن كونه قاعدة عملية ليس مضمونها إلّا حكما ظاهريا مجعولا للشاك. و أما الظن ببقاء المتيقن- على تقدير حكم العقل و على تقدير حجية مثل هذا
(١) الاستصحاب أصل لا أمارة. لأن الأصل ينظر إلى الواقع المجرد عن صفة الكشف، فإن الشارع في الواقع جزء مقوم لموضوع الأصل، و هذا بخلاف الأمارة فإنها تنظر إلى الواقع و تكشف عنه. كما أن المجعول في الأمارة هو اعتبار الظن الناشئ منها و تنزيل هذا الظن منزلة العلم تعبدا أي: أن الشارع عبدنا بالأخذ بهذه الأمارة و جعلنا نتعامل معها كما نتعامل مع العلم من حيث العمل بها و الالتزام بآثارها، بينما الأصل المجعول الشرعي فيه مجرد العمل بمؤداه كبديل عن الواقع في حالة التردد و ذلك نتيجة فقدانه للدليل القطعي أو الظني المعتبر شرعا. إذا: الأصل جعل لتحديد الوظيفة العملية لرفع التردد عن المكلف عند فقدانه للعلم أو الظن المعتبر شرعا، و عليه يتضح: أن الاستصحاب ينظر إلى الواقع مجردا عن صفة الكشف عنه زائدا الشك في الواقع. إذا: الاستصحاب أصل لا أمارة.