المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٩ - ١٠- مقدمات دليل الانسداد (١)
أ- تقليد من يرى انفتاح باب العلم.
عنه كما هو الحال في الجعل البسيط و المركب».
و بالجملة: فنفي الضرر أو الحرج هنا بسيط، لوروده على نفس الحكم الضرري و الحرجي، و معنى قوله (عليه السلام): «لا ضرر ... و لا حرج» أن الحكم الذي هو ضرر أو حرج منفي، يعني: إنه لا جعل له، فالمنفي هو ما يتلو «لا» النافية حقيقة و بلا عناية.
و اختار صاحب الكفاية (قدس سره)- كما سيأتي في قاعدة لا ضرر- أن المنفي هو متعلق الحكم و موضوعه و هو الفعل الضرري و الحرجي، فمعنى «لا ضرر» إنه لا بيع ضرري مثلا، لكن بما إنه لا معنى لورود النفي التشريعي حينئذ على ما هو موجود تكوينا و بالوجدان كالضرر و الحرج فيما نحن فيه، حيث أنهما موجودان في الخارج دائما، فلا محالة يتوجه النفي إلى الموضوع ظاهرا و إلى الحكم واقعا، و يقال: إن الفعل الضرري أو الحرجي لا حكم له، فمعنى قول الشارع: «لا ضرر» أن البيع الضرري منفي حكمه، كقوله: «لا شك لكثير الشك»، فإن معناه: أن الشك الكثير منفي حكمه يعني: لا حكم له، فيكون نفي الضرر حينئذ من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.
و قد ظهر بما ذكرناه: أن ارتفاع الحكم الأوّلي- تكليفيا أو وضعيا- بالضرر أو الحرج منوط بكون متعلقه ضرريا أو حرجيا، فإذا لم يكن في المتعلق ضرر أو حرج لم يرتفع حكمه الأولي و إن كان الحكم الأولي علة للوقوع في الضرر و الحرج.
هذا محصل الوجهين اللذين اختارهما الشيخ و المصنف (قدس سره)، و عليهما يترتب جريان قاعدة العسر في المقام و عدم جريانها، فبناء على المعنى الأول الذي اختاره الشيخ (قدس سره) تجري القاعدة، لأن الاحتياط بالجمع بين المحتملات نشأ عن لزوم مراعاة الأحكام الواقعية، فالملقي في الحرج حقيقة هو تلك الأحكام، فهي منفية بدليل نفي الحرج، فالاحتياط الحرجي منفي بقاعدة الحرج الرافعة للأحكام الواقعية التي نشأ منها الاحتياط الحرجي. و بناء على المعنى الثاني الذي اختاره الآخوند (قدس سره) لا تجري القاعدة، ضرورة: إنه لا عسر في نفس متعلقات التكاليف الواقعية، إذ لو كانت معلومة لما كان فيها حرج أصلا، و إنما يكون الحرج في الجمع بين المحتملات من باب الاحتياط.
ثم أن شيخنا الأعظم استدل على بطلان الاحتياط بوجهين، حيث قال: «أما الاحتياط فهو و إن كان مقتضى الأصل و القاعدة العقلية و النقلية عند ثبوت العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات، إلّا إنه في المقام غير واجب لوجهين: أحدهما: الإجماع القطعي على عدم وجوبه في المقام- أعني: صورة انسداد باب العلم في معظم المسائل الفقهية- لوجهين:
الأول: الإجماع القطعي على عدم وجوبه في المقام، .. إلى أن قال: الثاني: لزوم العسر الشديد و الحرج الأكيد في التزامه، لكثرة ما يحتمل موهوما بوجوبه، خصوصا في أبواب الطهارة و الصلاة، فمراعاته ممّا يوجب الحرج، و المثال لا يحتاج إليه. فلو بنى العالم الخبير بموارد الاحتياط- فيما لم ينعقد عليه إجماع قطعيّ أو خبر متواتر- على الالتزام بالاحتياط في جميع أموره يوما و ليلة، لوجد صدق ما ادعيناه، هذا كلّه بالنسبة إلى نفس العمل بالاحتياط» [١].
[١] راجع: كتاب منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٤، ص ٥٨٧- ٥٨٩. راجع: كتاب فرائد الأصول، ج ١، ص ١٩٤- ١٩٥.