المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٠ - ١٥- الحجية أمر اعتباري أو انتزاعي
فمهما فرضنا من معنى للسلوك- و إن كان بمعنى: الفعل- القلبي فإنه إذا كانت المصلحة المقتضية للأمر قائمة به فكيف يصح توجيه الأمر إلى ذات الفعل؟
و المفروض: أن له وجودا آخر لم تقم به المصلحة.
و أما إضافة كلمة (الأمر) على عبارة الشيخ فهي بعيدة جدا عن مراده و عباراته الأخرى.
١٥- الحجية أمر اعتباري أو انتزاعي:
من الأمور التي وقعت موضع البحث أيضا عند المتأخرين مسألة إن الحجية هل هي من الأمور الاعتبارية المجعولة بنفسها و ذاتها (١)، أو إنها من الانتزاعيات التي تنتزع من المجعولات (٢).
و هذا النزاع في الحجية فرع- في الحقيقة- عن النزاع في أصل الأحكام الوضعية (٣). و هذا النزاع في خصوص الحجية- على الأقل- لم أجد له ثمرة عملية في الأصول.
على إن هذا النزاع في أصله غير محقق و لا مفهوم؛ لأن لكلمتي الاعتبارية و الانتزاعية مصطلحات كثيرة، في بعضها تكون الكلمتان متقابلتين (٤)، و في البعض الآخر متداخلتين (٥). و تفصيل ذلك يخرجنا عن وضع الرسالة.
و نكتفي أن نقول على سبيل الاختصار:
إن الذي يظهر من أكثر كلمات المتنازعين في المسألة: أن المراد من الأمر الانتزاعي
(١) كقوله: الأمارة حجة.
(٢) كما إذا أمرنا بتصديق خبر الثقة ننتزع من هذا الأمر الحجية.
(٣) كالملكية و الزوجية فإن الزوجية و الملكية هل هي أمور انتزاعية أو اعتبارية؟
فإذا ثبت أن الحكم الوضعي اعتباري مثلا حينئذ تكون مصاديق الحكم الوضعي كالملكية و الزوجية و الحجية اعتبارية. إذا: اتضح كون النزاع في الحجية فرعا عن النزاع في أصل الأحكام الوضعية.
(٤) كما إذا أريد من الاعتبارية هو المجعول أوّلا و بالذات، و الانتزاعية هو المجعول ثانيا و بالعرض، فيكون بينهما تقابل على نحو التباين.
(٥) كما إذا أريد من الأمر الانتزاعي ما يستفاد من دليل الحكم على نحو الدلالة الالتزامية فإنها بهذا المعنى تتداخل معه؛ لأن الأمر الاعتباري يشمل ما هو مستفاد من الدليل على نحو الدلالة الالتزامية، كما أنه يشمل المجعول بالدلالة المطابقية، فإن الحجية تارة: تستفاد بالمطابقة، و تارة: تستفاد بالالتزام، و على التقديرين هي أمر اعتباري.