المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢٢ - التنبيه الثاني (١) الشبهة العبائية أو استصحاب الفرد المردد
كان معلوم الحدوث؛ لأنه إما مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع (١).
و أما الوجه الثاني:- و هو الأصح- فبيانه: أن اليقين بالحدوث إن أريد به اليقين بحدوث الفرد مع قطع النظر عن الخصوصية المفردة لأنها مجهولة حسب الفرض، فاليقين موجود؛ و لكن المتيقن حينئذ هو الكلي الذي يصلح للانطباق على كل من الفردين، و إن أريد به اليقين بالفرد بما له من الخصوصية المفردة فواضح إنه غير حاصل فعلا؛ لأن المفروض: أن الخصوصية المفردة مجهولة و مرددة بين خصوصيتين، فكيف تكون متيقنة في عين الحال؟ إذ المردد بما هو مردد لا معنى لأن يكون معلوما متعينا، هذا خلف محال، و إنما المعلوم هو القدر المشترك. و في الحقيقة أن كل علم إجمالي مؤلف من علم و جهل و متعلق العلم هو القدر المشترك و متعلق الجهل خصوصياته، و إلّا فلا معنى للإجمال في العلم و هو عين اليقين و الانكشاف. و إنما سمي بالعلم الإجمالي لانضمام الجهل بالخصوصيات إلى العلم بالجامع.
و عليه: فإن ما هو متيقن- و هو الكلي- لا فائدة في استصحابه لغرض ترتيب أثر الفرد بخصوصه، و ما له الأثر المراد ترتبه عليه- و هو الفرد بخصوصيته- غير متيقن بل هو مجهول مردد بين خصوصيتين، فلا يتحقق في استصحاب الفرد المردد ركن اليقين بالحالة السابقة، لا إن الفرد المردد متيقن و لكن لا شك في بقائه.
و الوجه الأصح هو الثاني كما ذكرنا. و أما الوجه الأول- و هو إنه لا شك في بقاء المتيقن- فغريب صدوره عن بعض أهل التحقيق، فإن كونه مرددا بين ما هو مقطوع البقاء و بين ما هو مقطوع الارتفاع معناه في الحقيقة هو الشك فعلا في بقاء الفرد الواقعي و ارتفاعه؛ لأن المفروض: إن القطع بالبقاء و القطع بالارتفاع ليسا قطعين فعليين بل كل منهما قطع على تقدير مشكوك، و القطع على تقدير مشكوك ليس قطعا فعلا، بل هو عين الشك.
(١) (و فيه: أن القطعين المزبورين إنما ينافيان الشك في البقاء إذا كانا فعليين، و أما إذا كانا تقديريين فلا منافاة بينهما أصلا، بداهة إن القطع على تقدير غير معلوم الحصول ليس قطعا فعلا، بل هو شك حقيقة، فالحالة الفعلية حينئذ هي الشك في بقاء ما علم بحدوثه إجمالا بعد تحقق رافع أحدهما كالوضوء، فمن علم بحدث مردد بين البول و المني، فإن الوضوء يوجب الشك وجدانا في ارتفاع ما علم به إجمالا من الحدث المردد). [منتهى الدراية في توضيح الكفاية للسيد محمد جعفر الجزائري المروج].