المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣١٣ - ١- خبر الحسن بن جهم عن الرضا
أحدهما بجعل جديد، و لا مانع عقلي من تلك.
و على هذا، فالقاعدة المستفادة من هذا الدليل الخاص قاعدة ثانوية مجعولة من قبل الشارع، بعد أن كانت القاعدة الأولية بحكم العقل هي التساقط.
بقي علينا أن نفهم معنى التخيير على تقدير القول به، بعد أن بينا سابقا إنه لا معنى للتخيير بين المتعارضين من جهة الحجية، و لا من جهة الواقع فنقول:
إن معنى التخيير بمقتضى هذا الدليل الخاص: أن كل واحد من المتعارضين منجّز للواقع على تقدير إصابته للواقع و معذر للمكلف على تقدير الخطأ، و هذا هو معنى الجعل الجديد الذي قلناه، فللمكلف أن يختار ما يشاء منهما فإن أصاب الواقع فقد تنجز به و إلّا فهو معذور. و هذا بخلاف ما لو كنا نحن و الأدلة العامة، فإنه لا منجزية لأحدهما غير المعين و لا معذرية له.
و الشاهد على ذلك: إنه بمقتضى هذا الدليل الخاص لا يجوز ترك العمل بهما معا، لأنه على تقدير الخطأ في تركهما لا معذر له في مخالفة الواقع، بينما أنه معذور في مخالفة الواقع لو أخذ بأحدهما. و هذا بخلاف ما لو لم يكن هذا الدليل الخاص موجودا فإنه يجوز له ترك العمل بهما معا و إن استلزم مخالفة الواقع؛ إذ لا منجز للواقع بالمتعارضين بمقتضى الأدلة العامة.
[اخبار الباب]
إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر لك أخبار الباب ليتضح الحق في المسألة، فإن منها ما يدل على التخيير مطلقا، و منها ما يدل على التخيير في صورة التعادل، و منها ما يدل على التوقف، ثم نعقب عليها بما يقتضي، فنقول: إن الذي عثرنا عليه من الأخبار هو كما يلي:
١- خبر الحسن بن جهم عن الرضا (عليه السلام) (١):
قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيهما الحق؟
قال: «فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت».
و هذا الحديث بهذا المقدار منه ظاهر في التخيير بين المتعارضين مطلقا، و لكن صدره- الذي لم نذكره- مقيد بالعرض على الكتاب و السنة، فهو يدل على أن
(١) الوسائل، كتاب القضاء، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، عن الاحتجاج.