المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦٧ - الدليل من الآيات القرآنية
استدلال بالقياس لإفحام من ينكر إحياء العظام و هي رميم (١). و لو لا أن القياس حجة لما صح الاستدلال فيها.
و فيه: إن الآية لا تدل على هذه المساواة بين النظيرين كنظيرين في أية جهة كانت، كما إنها ليست استدلالا بالقياس، و إنما جاءت لرفع استغراب المنكرين للبعث، إذ يتخيلون العجز عن إحياء الرميم، فأرادت الآية أن تثبت الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام و إيجادها لأول مرة بلا سابق وجود، و بين القدرة على إحيائها من جديد، بل القدرة على الثاني أولى، و إذا ثبتت الملازمة و المفروض: أن الملزوم- و هو القدرة على إنشائها أول مرة- موجود مسلم، فلا بد أن يثبت اللازم (و هو القدرة على إحيائها و هي رميم). و أين هذا من القياس؟
و لو صح أن يراد من الآية القياس فهو نوع من قياس الأولوية المقطوعة، و أين هذا من قياس المساواة المطلوب إثبات حجيته، و هو الذي يبتني على ظن المساواة في العلة؟
و قد استدلوا بآيات أخر مثل قوله تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ. و التشبث بمثل هذه الآيات لا يعدو أن يكون من باب تشبث الغريق بالطحلب- كما يقولون-.
الدليل من السنة: رووا عن النبي (صلى الله عليه و آله) أحاديث لتصحيح القياس لا تنهض حجة لهم. و لا بأس أن نذكر بعضها كنموذج عنها، فنقول:
(منها): الحديث المأثور عن معاذ أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعثه قاضيا إلى اليمن و قال له فيما قال: «بما ذا تقضي إذا لم تجد في كتاب الله و لا في سنة رسول الله»؟ قال معاذ: (اجتهد رأيي و لا آلو)، فقال (صلى الله عليه و آله): «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله».
قالوا: قد أقر النبي الاجتهاد بالرأي. و اجتهاد الرأي لا بد من رده إلى أصل، و إلّا كان رأيا مرسلا، و الرأي المرسل غير معتبر. فانحصر الأمر بالقياس.
(١) و بعبارة واضحة نقول: إحياء العظام و هي رميم كإنشائها أول مرة، فإن الأول يساوي الثاني بمعنى: الذي هو قادر على إحياء و إنشاء العظام أول مرة (الأصل) هو قادر على إحيائها و هي رميم (الفرع)، فالقرآن استدل بالقياس، و لو لم يكن القياس حجة لما استدل القرآن بالقياس، حيث أن القرآن عدّى الحكم (الأصل) إلى الفرع.