المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٤ - ١- منها في سورة الطلاق الآية ٧
و إنما قدمنا البحث عن مفاد العقل و الإجماع في المسألة لاختصاره، و لأن عمدة ما يستدل به على البراءة أخذا من الكتاب و السنة راجعة إلى استقلال العقل، و أن الإجماع مستندي إذ المسلمون- عالما و سوقيا- دأبهم في اتفاقهم المذكور على وفق ما جاء من الشارع بلسان الوحي.
أصل البراءة في الكتاب الكريم: استدل عليها بآيات:
١- منها: في سورة الطلاق الآية ٧: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (١)
.
يكونوا من أهل الشرائع على قبح ذلك.
إلّا أن المفيد هو الإجماع الذي يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) و هو: اتفاق الفقهاء و العلماء كافة، و مثل هذا الاتفاق لم يتحقّق قطعا، إذ علماؤنا الأخباريون مخالفون للبراءة، و قائلون بوجوب الاحتياط. و مضافا إلى ذلك: يمكن أن يكون اتفاقهم مستندا إلى ما هو المدارك عندهم فلا يكشف مثل هذا الاتفاق عن رأي المعصوم، بل لا بد من الرجوع إلى نفس المدارك، بمعنى: أن الإجماع المنقول وقع النزاع في اعتباره لكونه منقولا بخبر الواحد، و إن دليل اعتباره هل يشمل الخبر الحدسي أم يختص بالحسي؟ و قد بينّا تفصيله في محله فراجع.
و هذا كله فرع تحقق نفس الإجماع، و في المقام حيث لا سبيل إلى الجزم بحصول هذا الإجماع، لقوة احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه العقلية أو النقلية المستدل بها على البراءة، فلا يبقى اطمئنان بكشفه عن رأي المعصوم (عليه السلام)».
قال صاحب الكفاية في كفايته: «و لو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة ...» أي: إنه لو سلم تحقق الإجماع المنقول في المقام فهو غير معتبر أيضا، لأنه على القول باعتباره إنما يعتبر في الجملة يعني:
فيما إذا لم يحتمل كونه مدركيا، و في المقام حيث يحتمل ذلك لاحتمال استناد المجمعين إلى ما ذكر فيه من الأدلّة العقلية و النقلية، فلا يكون هذا الإجماع حجة [١].
(١) و تقريب الاستدلال بالآية الكريمة: إن اسم الموصول فيها، إما أن يراد به المال أو الفعل أو التكليف أو الجامع. هذه أربعة احتمالات فأيهم هو المراد من اسم الموصول؟
الاحتمال الأول: «المال»: يحتمل فيها إرادة المال من اسم الموصول و هو المتيقن لأنه المناسب لمورد الآية، فيكون المعنى: «إنه سبحانه لا يكلف نفسا إنفاق مال إلّا ما أعطاها من المال». و هذا المعنى كما قلنا هو ظاهر الآية بملاحظة صدرها و ذيلها: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً. فتدل- بمقتضى سياق الآية المتقدمة عليها الواردة في حكم إنفاق الآباء على أزواجهم أيام الحمل و دفع الأجرة على الرضاع- على
[١] راجع منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٥، ص ٢٩٣ (بتصرف).