المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٦ - ١- منها في سورة الطلاق الآية ٧
و تقريب الآية إلى نفي الحكم المجهول و براءة الذمة عنه: إن اللّه لا يكلف نفسا مكلفا إلّا بمقدار قدرتها عليه- أو- إلّا بشيء أقدرها عليه، و التكليف بحكم مجهول تكليف بغير المقدور عرفا؛ إذ الخطاب الشرعي وارد على طبق متفاهم العرف.
و بهذا التقريب تكون الآية شاملة لموردها أيضا و هو خصوص الإنفاق بقدر الرزق، كما ينظر إليه ما قبلها و هو وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ، فالمورد لم يخصص به الوارد بل هو عام، و المعنى على هذا: لا يكلف نفسا إلّا بدفع
إلّا إن ما تم ذكره من إرادة المعنى من اسم الموصول بالتكليف غير وارد إذ لا قرينة عليه، بل القرينة الموجودة تدل على إرادة المال، و لأجل إثبات البراءة لا بد من إثبات أن المراد من اسم الموصول هو الجامع، و إذا ثبت هذا يثبت أيضا التكليف باعتباره فردا من أفراد الجامع. إذا: المراد من اسم الموصول هو الجامع و لا موجب لتقييده بالفعل أو المال بالخصوص، و إن كان موردها المال إذ المورد لا يخصص الوارد.
و بعبارة أخرى: إن الآية وردت على نحو قاعدة كبرى معلل بها فلا يناسبها تخصيصها بالمورد فمثلا:
لو سأل شخص الإمام (عليه السلام) عن شرب الخمر المتخذ من العنب هل هو حرام أم لا؟ فأجاب الإمام: «كل خمر حرام لأنه مسكر» ففي هذه الحالة يثبت الحرمة إلى كل أفراد الخمر سواء المتخذ من العنب أو من غيره و إن كان مورد الحكم هو الخمر المتخذ من العنب؛ لأن المورد لا يخصص الحكم مع ورود الجواب على نحو قاعدة كلية، فلا موجب لتقييدها و تخصيصها بالمورد، فمقامنا من هذا القبيل و هو أنه و إن كان مورد الآية المال؛ إلّا أن الآية جاءت على نحو القاعدة الكلية المعلل بها الشاملة لكل شيء لا يكلف به إلّا إذا أوتي، و إذا وردت على نحو الكبرى الكلية فلا معنى لتقييدها بالمال.
فيثبت أن المراد من اسم الموصول هو الجامع فيكون المعنى: (لا يكلف اللّه نفسا شيئا من مال أو تكليف إلّا بحسب ما آتاه) فإيتاء المال بمعنى: إعطائه و رزقه، و إيتاء الفعل بمعنى: الإقدار عليه، و إيتاء التكليف بمعنى: إيصاله و إذا لم يصل التكليف إلى المكلف لا تكليف فيثبت المطلوب.
و قلنا: إن الشيخ الأنصاري اعترض على هذا التوجيه الذي ذكره العلماء و منهم السيد الصدر (قدس سره).
و أجاب السيد الصدر (قدس سره) في حلقته الثالثة على الشيخ الأنصاري (قدس سره) فراجع.
و ذكر السيد ميرزا حسن البجنوردي في كتابه منتهى الأصول جوابا و محصله: «... يمكن أن يقال:
أن المراد من الموصول هو الجامع بين المعاني الثلاثة- و هو الشيء مثلا- بإلقاء خصوصيات المعاني الثلاثة، أي: المال و التكليف و الفعل، لأن كل واحدة من هذه الثلاثة لها ذات مشتركة، بين جميع الأشياء، و بهذا الاعتبار يقال لها شيء بحذف الخصوصيات، و معلوم: أن نسبة التكليف إلى الشيء يكون من قبيل المفعول به لا المفعول المطلق، فليس نسبتين متنافيتين. و كذلك المراد من الإيتاء و نسبة الفعل إليه نسبته إلى المفعول به وحده».