المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٢ - ٤- منصوص العلة و قياس الأولوية
معه الحق كيفما دار كما في الحديث النبوي المعروف، و إنكاره معلوم من طريقته، و قد رووا عنه قوله: «لو كان الدين بالرأي كان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره»، و هو يريد بذلك إبطال القول بجواز المسح على الخف الذي لا مدرك له إلّا القياس أو الاستحسان.
الدليل من العقل:
لم يذكر أكثر الباحثين عن القياس دليلا عقليا على حجيته (١)، غير أن جملة منهم ذكر له وجوها أحسنها فيما أحسب ما سنذكره، مع أنه من أوهن الاستدلالات.
الدليل: إنا نعلم قطعا بأن الحوادث لا نهاية لها.
و نعلم قطعا إنه لم يرد النص في جميع الحوادث، لتناهي النصوص، و يستحيل أن يستوعب المتناهي ما لا يتناهى.
إذا: فيعلم أنه لا بد من مرجع لاستنباط الأحكام لتلافي النواقص من الحوادث و ليس هو إلّا القياس.
و الجواب: صحيح إن الحوادث الجزئية غير متناهية، و لكن لا يجب في كل حادثة جزئية أن يرد نص من الشارع بخصوصها، بل يكفي أن تدخل في أحد العمومات.
و الأمور العامة محدودة متناهية لا يمتنع ضبطها و لا يمتنع استيعاب النصوص لها.
على أن فيه مناقشات أخرى لا حاجة بذكرها.
٤- منصوص العلة و قياس الأولوية:
ذهب بعض علمائنا كالعلامة الحلي إلى أنه يستثنى من القياس الباطل ما كان منصوص العلة و قياس الأولوية، فإن القياس فيهما حجة. و بعض قال: لا! إن الدليل الدال على حرمة الأخذ بالقياس شامل للقسمين، و ليس هناك ما يوجب استثناءهما.
و الصحيح أن يقال: أن منصوص العلة و قياس الأولوية هما حجة، و لكن لا استثناء من القياس، لأنهما في الحقيقة ليسا من نوع القياس، بل هما من نوع الظواهر، فحجيتها من باب حجية الظهور، و هذا ما يحتاج إلى البيان، فنقول:
منصوص العلة: أما (منصوص العلة)، فإن فهم من النص على العلة أن العلة عامة
(١) قال الشيخ الطوسي في العدة: ٢/ ٨٤: (فأما من أثبته فاختلفوا فمنهم من أثبته عقلا و هم شذاذ غير محصلين).