المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٠ - الدليل من الآيات القرآنية
بحدوده في اجتهادات الصحابة، حينما قال في كتابه إبطال القياس ص ٥: (ثم حدث القياس في القرن الثاني فقال به بعضهم و أنكره سائرهم و تبرءوا منه). و قال في كتابه الإحكام ٧/ ١٧٧: (إنه بدعة حدث في القرن الثاني ثم فشا و ظهر في القرن الثالث)، أما إذا أراد إنكار أصل الاجتهادات بالرأي من بعض الصحابة- و هو لا يريد ذلك قطعا- فهو إنكار لأمر ضروري متواتر عنهم.
و قد ذكر الغزالي في كتابه المستصفى ٢/ ٥٨- ٦٢ كثيرا من مواضع اجتهادات الصحابة برأيهم، و لكن لم يستطع أن يثبت أنها على نحو القياس إلّا لأنه لم ير وجها لتصحيحها إلّا بالقياس و تعليل النص، و ليس هو منه إلّا من باب حسن الظن، لا أكثر. و أكثرها لا يصح تطبيقها على القياس.
و على كل حال، فالشأن كل الشأن في تحقيق إجماع الأمة و الصحابة على الأخذ بالقياس و نحن نمنعه أشد المنع.
أما أولا: فلما قلناه قريبا: إنه لم يثبت أن اجتهاداتهم كانت من نوع القياس بل في بعضها ثبت عكس ذلك، كاجتهادات عمر بن الخطاب المتقدمة. و مثلها اجتهاد عثمان في حرق المصاحف، و نحو ذلك.
و أما ثانيا: فإن استعمال بعضهم للرأي- سواء كان مبنيا على القياس أو على غيره- لا يكشف عن موافقة الجميع، كما قال ابن حزم (١) فأنصف:
(أين وجدتم هذا الإجماع؟ و قد علمتم إن الصحابة ألوف لا تحفظ الفتيا عنهم في أشخاص المسائل إلّا عن مائة و نيف و ثلاثين نفرا؛ منهم سبعة مكثرون و ثلاثة عشر نفسا متوسطون، و الباقون مقلون جدا تروى عنهم المسألة و المسألتان حاشى المسائل التي تيقن إجماعهم عليها (٢) كالصلوات وصوم رمضان. فأين الإجماع على القول بالرأي؟).
و الغرض الذين نرمي إليه: إنه لا ينكر ثبوت الاجتهاد بالرأي عند جملة من الصحابة كأبي بكر و عمر و عثمان و زيد بن ثابت، بل ربما من غيرهم. و إنما الذي
(١) إبطال القياس، ص ١٩.
(٢) هذه ليست من المسائل الإجماعية بل هذه من ضروريات الدين. و قد تقدم إن الأخذ بها ليس أخذا بالإجماع. (المصنف).