المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣١ - ٧- حجية العلم ذاتية
و يظهر لنا- حينئذ- كأنه لا معنى لأن يقال في تعليل حجيته الذاتية: أن وجوب متابعته أمر ذاتي له.
و إذا اتضح ما تقدم وجب علينا توضيح معنى كون القطع طريقا ذاتيا، و هو كل البحث عن حجية القطع، و ما وراءه من الكلام فكله فضول، و عليه فنقول:
تقدّم أن القطع حقيقته انكشاف الواقع، لأن حقيقة نورية محضة لا غطش فيها و لا احتمال للخطإ يرافقها. فالعلم نور لذاته نور لغيره، فذاته نفس الانكشاف لا أنه شيء له الانكشاف.
و قد عرفتم في مباحث الفلسفة: أن الذات و الذاتي يستحيل جعله بالجعل التأليفي (١). لأنّ جعل شيء لشيء إنّما يصح أن يفرض فيما يمكن فيه التفكيك بين المجعول و المجعول له. و واضح أنه يستحيل التفكيك بين الشيء و ذاته، أي: بين الشيء و نفسه، و لا بينه و بين ذاتياته.
و هذا معنى قولهم المشهور: «الذاتي لا يعلل».
(١) ما المراد من الذات و الذاتي؟
الذات: هو الموجود لا في موضوع كزيد. و يقابله العرض و هو الموجود في موضوع كالبياض.
الذاتي: هو «المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به غير خارج عنها. و نعني (بما تتقوم ذات الموضوع به): إن ماهية الموضوع لا تتحقق إلّا به فهو قوامها». [المنطق للشيخ محمّد رضا المظفر (قدس سره)].
فإذا وضحت هذه المقدمة نقول: يستحيل جعل الذات و الذاتي بالجعل التأليفي.
و مثال الأوّل، فإن المشمشة يستحيل إيجادها بالجعل التأليفي، لأن الجعل التأليفي يستدعي الاثنينية و التغاير، مع أن المشمشة شيء واحد.
أو قل: لو أمكن جعل المشمشة بالجعل التأليفي لكانت المشمشة في آن ما ليست بمشمشة حتى تثبت لها المشمشية، و هذا غير معقول؛ لأنه يلزم التفكيك بين الشيء (المشمشة) و ذاته (التي هي نفس المشمشية)؛ لأنه غير معقول أن توجد ذات المشمشة من دون المشمشية.
إذا: المعقول أن توجد ذات المشمشة بالجعل البسيط، فإنّه من حين أن توجد المشمشة وجدت. هذا بالنسبة إلى الذات.
و أما بالنسبة إلى الذاتي فمثاله: الإنسان حيوان ناطق. يستحيل التفكيك بين الذات و ذاتياته، و إلّا لو فرض التفكيك للزم أن يكون الإنسان في يوم من الأيام ليس بحيوان ناطق، و هذا يعني: أن الإنسان يغاير الحيوان الناطق، إذا: المعقول أن توجد ذات الإنسان بالجعل البسيط، أي: من حين أن يوجد الإنسان توجد معه ذاتياته. و أما اللذان يمكن أن يجعلا بالجعل التأليفي فهما العرض و العرضي.