المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٤٩ - ١- حجية بناء العقلاء
فإن كان (الأول): فإن ثبت من الشارع الردع عن العمل بها فلا حجية فيها قطعا.
و إن لم يثبت الردع منه: فلا بد أن يعلم اتحاده في المسلك معهم، لأنه أحد العقلاء، بل رئيسهم، فلو لم يرتضها و لم يتخذها مسلكا له كسائر العقلاء لبين ذلك و لردعهم عنها، و لذكر لهم مسلكه الذي يتخذه بدلا عنها، لا سيما في الأمارات المعمول بها عند العقلاء، كخبر الواحد الثقة و الظواهر.
المعصوم هي السيرة المعاصرة له لا السيرة المتأخرة، فلا بد علينا أن نثبت أن السيرة معاصرة للمعصوم حتى نثبت الدليل أو الحكم.
قد يقال: إنه لا يشترط ذلك بمعنى: أنه سواء كانت السيرة معاصرة أو متأخرة فسكوت المعصوم يكون كاشفا عن الإمضاء؛ ببيان: أن المعصوم موجود دائما فهو دائما معاصر للسيرة، فسكوته كاشف عن الإمضاء. السيد الصدر (قدس سره) قال: إن هذا الكلام ليس له معنى لأن استكشاف الإمضاء من السكوت قلنا إن له أساسان. أساس عقلي، و أساس استظهاري، و كل منهما لا يتحقق في حال الغيبة لأنه في حال الغيبة غير مكلف (عليه السلام) بالنهي عن المنكر، و تعليم الجاهل. و إلّا لظهر، كما أن قضية نقض الغرض أيضا لا يمكن الالتزام بها، لأن غيبته تؤدي إلى نقض الغرض الكبير. و إذا لم يظهر من أجل عدم نقض الغرض الكبير فما ظنك في الغرض الصغير الذي يتحقق عند مخالفة شخص لحكم من الأحكام، و مخالفة جماعة لحكم من الأحكام. صحيح يفوت الغرض لكن لا يجب على الإمام (عليه السلام) الغائب أن يمنع من تفويت كل غرض، و الحال أنه قد فات عليه الغرض الكبير لا بتفويته هو له، و إنما بسبب الناس، و ظلم الظالمين. هذا بالنسبة إلى الأساس العقلي. و كذا بالنسبة إلى الأساس الاستظهاري أيضا، فإنه لا معنى له هنا لأنه قائم على أساس حال المعصوم يعني: وجود ظاهر حاله أنه إذا سكت عن قضية هو يهتم لها، و مسئول عنها فإنه بسكوته ذاك يمضي تلك القضية، و إذا كان في عصر الغيبة فليس له حال ظاهر حتى يقال: أن ظاهر حاله هذا أو ذاك. إذا: المعصوم في حال الغيبة لا يمكن أن يستكشف من سكوته الإمضاء لا على الأساس العقلي، و لا على الأساس الاستظهاري. و من هنا يفهم: بأن السيرة العقلائية طريقة استكشاف الإمضاء منها، و هذه الطريقة التي ذكرناها تختلف عن الطريقة المتعارفة عند الأصوليين. فمثلا: تذكر طريقة أخرى في مقام استكشاف الإمضاء ليست مبنية على ما ذكرناه. الطريقة قائمة على أساس افتراض أن الشارع هو من العقلاء بل هو رئيس العقلاء، و منه تستنتج القضية القائلة: بأنه يلزم أن يكون متحد المسلك مع العقلاء. فالعقلاء لهم سلوك معين الآن و نحن نريد أن نثبت أن الشارع يرضى بهذا السلوك. إذا: فالشارع يجب أن يكون متحد المسلك معهم بمعنى: أنه يرضى بذلك العمل لأن الشارع من العقلاء بل هو رئيسهم، فإذا كان رئيسهم فيجب أن يكون متحد المسلك معهم و إلّا يلزم الخلف و ذلك لافتراض أن هذا السلوك نشأ من العقلاء بما هم عقلاء. لا بما هم متشرعة، و لا بما هم منتمون إلى جنسية معينة مثلا، فلا بد أن