المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٤٨ - ١- حجية بناء العقلاء
فيها أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء، إذ لا مانع من ذلك.
و إما ألا ينتظر ذلك، لوجود مانع من اتحاده معهم في المسلك، كما في الاستصحاب.
أحدهما: مواجهة سلوك فرد خاص يتصرف أمام المعصوم، كأن يمسح أمام المعصوم في وضوئه منكوسا و يسكت عنه.
و الآخر: مواجهة سلوك اجتماعي و هو ما يسمى بالسيرة العقلائية كما إذا كان العقلاء بما هم عقلاء يسلكون سلوكا معينا في عصر المعصوم، فإنه بحكم تواجده بينهم يكون مواجها لسلوكهم العام، و يكون سكوته دليلا على الإمضاء. و من هنا أمكن الاستدلال بالسيرة العقلائية عن طريق استكشاف الإمضاء من سكوت المعصوم. و الإمضاء المستكشف بالسكوت ينصبّ على النكتة المركوزة عقلائيا لا على المقدار الممارس من السلوك خاصة. و هذا يعني أولا: إن الممضى ليس هو العمل الصامت لكي لا يدل على أكثر من الجواز، بل هو النكتة، أي: المفهوم العقلائي المرتكز عنه فقد يثبت به حكم تكليفي مثلا: عدم جواز التصرف في ملك الغير، أو حكم وضعي- مثلا: الحكم بالملكية فيما إذا حزت السمك من البحر، فالحيازة سبب الملكية-. ثانيا: إن الإمضاء لا يختص بالعمل المباشر فيه عقلائيا في عصر المعصوم، ففيما إذا كانت النكتة أوسع من حدود السلوك الفعلي كان الظاهر من حال المعصوم إمضاءها كبرويا و على امتدادها».
و ببيان أوضح: أطرح تقريري لدرس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي على هذا المطلب حيث قال: لما كان الإمضاء إمضاء للنكتة المركوزة التي على أساسها قام العقلاء بذلك الفعل. حينئذ:
نستكشف حكما تكليفيا آخر غير الجواز من قبيل الوجوب، أو قد نستكشف حكما وضعيا من قبيل الملكية أو الصحة و البطلان في باب العمل بخبر الثقة، فعمل العقلاء بخبر للثقة لا يتعدد بحدود العمل الصامت الصادر منهم، بمعنى: إن العمل الصادر منهم لو اقتصرنا عليه لا يدل على أكثر من الجواز للعمل بخبر الثقة؛ لأن العمل لا يدل على الوجوب، و إنما غاية ما يدل عليه هو الجواز لكن نقول: إن الشارع عند ما يسكت عن هذه السيرة و يمضيها فهو لا يمضي نفس العمل، و إنما يمضي النكتة التي على أساسها عملوا ذلك العمل، و النكتة قد تستدعي وجوب العمل بخبر الثقة.
فالعقلاء قد يعملون بخبر العادل لكن بنكتة تقتضي السراية إلى العمل بخبر غير العادل و هو الفاسق مثلا. فمثلا: لو كانت النكتة هي الوثاقة، و الشارع حينما يمضي لا يمضي نفس العمل، و إنما يمضي النكتة للعمل بخبر العادل أي: يمضي الوثاقة في خبر العادل. إذا: نحن نقول: إن الشارع أمضى النكتة فحينئذ: نلتزم بالعمل بخبر الثقة بمجرد وجود النكتة، و إن كان المخبر غير عادل، كما أن من نتائج هذا عدم الاقتصار على الظرف و الزمن الذي تحققت فيه السيرة. بمعنى: إن الشارع حينما يمضي السيرة التي يعارضها لا يمضيها فعلا فقط، و إنما يمضيها على امتداد التاريخ لأنه يمضي النكتة التي على أساسها عملوا بذلك العمل، و هذه النكتة كما يعمل بها العقلاء اليوم أيضا يعملون بها غدا. و لذلك يمكن التمسك بهذا الإمضاء على امتداد الزمن لأنه إمضاء للنكتة، و السيرة التي يستكشف بها إمضاء