المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٨
يجري استصحاب عدم جعل الحكم من الأول باللحاظ الأول، لأن وضع الأحكام كان تدريجا (١) و باللحاظ الثاني يجري استصحاب عدم تحقق الفعلية فعلا للحكم الذي لم يكن عليه ثابتا قبل كماله.
و من المعلوم: أن المصحح لجريان الاستصحاب هو أن يكون المستصحب صالحا لورود التعبد عليه، و عدم جعل الحكم مستمرا و بقاء عدم فعليته كذلك له تلك الصلاحية، و لا يلزم أن يكون هو أو أثره مجعولا شرعيا، و أثر استصحاب هذا العدم هو تحصيل المؤمن على وجه التنجيز أو التعذير.
مضافا إلى جواز أن يجعل المستصحب عدم النهي من الاقتحام أو الترك قبل بلوغه و تميزه فالآن كما كان (٢).
(١) أي: أن التكليف المشكوك كان متيقنا بعدمه ما قبل الشريعة فيستصحب عدم جعل ذلك التكليف.
(٢) أي: إذا التفت المكلف إلى حالة ما قبل التكليف كحالة صغره فإنه على يقين بعدم تكليفه، و يشك في ثبوت ذلك التكليف بعد بلوغه فإنه يستصحب عدم التكليف.
و قد ذكر السيد الشهيد الصدر اعتراض المحقق النائيني (قدس سره) على إجراء الاستصحاب بأحد هذين اللحاظين و محصله (بتصرف): بأن استصحاب عدم حدوث ما يشك في حدوثه، إنما يجري إذا كان الأثر تعبدا بالاستصحاب، و مثاله: أن نشك في حدوث النجاسة في الماء، و الأثر المطلوب تصحيح الوضوء به، و هو منوط بعدم حدوث النجاسة، فنجري استصحاب عدم حدوث النجاسة و نثبت بالتعبد الاستصحابي أن الوضوء به صحيح، و أما إذا فرضنا أن الأثر المطلوب إثباته بالاستصحاب حاصل من دون أن نجري الاستصحاب بعدم النجاسة فلا معنى لجريان الاستصحاب لترتيب الأثر لأنه حاصل من دونه كما قلنا. و في المقام كذلك لأننا هنا نريد إجراء الاستصحاب بعدم التكليف عند الشك فيه. فالمحقق النائيني (قدس سره) قال: الأثر المطلوب و هو عدم التكليف في ظرف الشك فيه بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان؛ لأن موضوع البراءة و عدم التكليف هو عدم العلم، و هنا لا أعلم بالتكليف فلا تكليف، إذا: الأثر مترتب من دون جريان الاستصحاب بل جريانه بلا معنى، إذا: الأثر مترتب على مجرد عدم البيان، و عدم العلم بحدوث التكليف وفقا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فهو حاصل وجدانا، و أي معنى حينئذ لمحالية تحصيله تعبدا بالاستصحاب، و هل هو إلّا من نحو تحصيل الحاصل.
ردّ السيد الشهيد الصدر (قدس سره) على هذا الاعتراض قائلا: بأنه غير صحيح لعدة اعتبارات:
منها: إننا ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالأثر المطلوب لا يكفي فيه، إذا: مجرد عدم العلم، كما هو واضح من مسلك حق الطاعة، فعلى مسلك حق الطاعة لا يوجد تأمين في ظرف الشك في التكليف، فإجراء الاستصحاب بعدم التكليف في ظرف الشك يكون له أثر عملي و هو التأمين في ظرف الشك.