المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٠ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
إن الاستدلال بهذه الآية الكريمة على المطلوب يتم بمرحلتين من البيان:
الحذر فيعلم وجود المقتضي و هو استحقاق العقاب على مخالفة الخبر، و مع وجود المقتضي يجب الحذر.، و إمّا لأنّ رجحان العمل بخبر الواحد مستلزم لوجوبه بالإجماع المركب، لأنّ كل من أجازه فقد أوجبه، و كل من لم يوجبه لم يجوزه فحصل من القولين الإجماع على عدم التفكيك بين الجواز و الوجوب، فإذا دلت الآية على جواز الحذر و حسنه ثبت وجوبه بالإجماع المذكور. هذا حاصل كلام الشيخ الأنصاري مع التصرف في شرح بعض عباراته.
النكتة الثانية: إن الحذر وقع غاية للإنذار الواجب وَ لِيُنْذِرُوا .. يَحْذَرُونَ، و لما كان الإنذار واجبا فالحذر واجب؛ لأن غاية الواجب واجبة، فبهاتين القرينتين نثبت بهما أن الحذر واجب. هذه المقدمة الأولى للاستدلال.
ذكر الشيخ الأنصاري (قدس سره): أنه مما يدلّ على ظهور الآية في وجوب التفقه و الإنذار استشهاد الإمام بها على وجوبه في أخبار كثيرة.
- منها: ما عن الفضل بن شاذان في علله عن الرضا (عليه السلام)، في حديث، قال: «إنّما امروا بالحج لعلّة الوفادة إلى الله و طلب الزيادة و الخروج عن كلّ ما اقترف العبد- إلى أن قال-: و لأجل ما فيه من التفقه- باعتبار أن الأئمة كانوا متواجدين في مكة و المدينة- و نقل أخبار الأئمة (عليهم السلام)، إلى كل صقع و ناحية. كما قال الله «عزّ و جلّ»: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ». (وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٦٩).
- و منها: ما ذكره في ديباجة المعالم، من رواية عليّ بن حمزة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تفقهوا في الدّين، فإنّ من لم يتفقّه منكم في الدّين فهو أعرابيّ، إنّ الله «عزّ و جل» يقول:
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ». (الكافي، ج ١، ص ٣١).
- و منها: ما رواه في الكافي، في باب ما يجب على الناس عند مضي (أي وفاة) الإمام (عليه السلام)، عن صحيحة يعقوب بن شعيب: قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: «أين قول الله «عزّ و جل»: فَلَوْ لا نَفَرَ ...؟». قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، و هؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتّى يرجع إليهم أصحابهم». (الكافي، ج ١، ص ٣٧٨).
- و منها: صحيحة عبد الأعلى قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن قول العامّة إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله)، قال: من مات و ليس له إمام مات ميتة جاهليّة قال: «حق و الله». قلت: فإنّ إماما هلك، و رجل بخراسان لا يعلم من وصيّة، لم يسعه ذلك (أي: ليس هذا معذور؟) قال: «لا يسعه (أي: لا يعذر)، إن الإمام إذا مات وقعت حجّة وصيّة (أي: يظهر الدليل على الإمام بعده) على من هو معه (أي: الإمام) في البلد، (و أهل البلد يعرفون الإمام بالفور)، و حقّ النّفر على من ليس بحضرته. (أي: بحضرة إمام من أهالي ساير البلدان) إذا بلغهم مضي الإمام، إنّ الله «عزّ و جلّ» يقول:
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ». (الكافي، ج ١، ص ٣٧٨).
- و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام). و فيها: «قلت: أفسح (أي: