المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٢٨ - الترجيح بالشهرة
١- أن يعرف استناد الفتوى إليها، إذ لا يكفي مجرد مطابقة فتوى المشهور للرواية في الوثوق بأقربيتها إلى الواقع (١).
٢- أن تكون الشهرة العملية قديمة، أي: واقعة في عصر الأئمة أو العصر الذي يليه الذي تم فيه جمع الأخبار و تحقيقها. أما الشهرة في العصور المتأخرة فيشكل تقوية الرواية بها.
هذا من جهة الترجيح بالشهرة العملية في مقام التعارض، أما من جهة جبر الشهرة للخبر الضعيف مع قطع النظر عن وجود ما يعارضه: فقد وقع نزاع للعلماء فيه، و الحق: أنها جابرة له إذا كانت قديمة أيضا؛ لأن العمل بالخبر عند المشهور من القدماء مما يوجب الوثوق بصدوره، و الوثوق هو المناط في حجية الخبر كما تقدم، و بالعكس من ذلك إعراض الأصحاب عن الخبر فإنه يوجب وهنه و إن كان راويه ثقة و كان قوي السند، بل كلما قوي سند الخبر فأعرض عنه الأصحاب كان ذلك أكثر
حالهم الابتلاء بظروف التقية و غيرها من الملابسات التي كانت تضطرهم إلى التحفظ و الاحتياط، كما تشهد بذلك جملة من الأحاديث الواردة عنهم، و قد شرحنا جانبا في البحث المتقدم عن مناشئ وجود الاختلاف و التعارض فيما بين الروايات. فلا يؤثر مجرد تعارض الخبرين المشهورين بحسب الظهور في حصول القطع أو الاطمئنان بصدورهما معا أثرا معتدا به.
ثانيهما: إباء سياق الترجيح بالصفات في المرفوعة عن إرادة الشهرة الروائية، إذ لو كان المراد بذلك لكان المناسب أن يرجح ما كان مجموع رواته أعدل و أصدق، مع أنه قد جاء في تعبير الإمام (عليه السلام): «خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك». و جاء في تعبير السائل: (أنهما معا عدلان مرضيان)، و هو ظاهر في ملاحظة الراويين المباشرين. و هكذا يظهر إمكان استفادة الترجيح بالشهرة الفتوائية من المرفوعة.
و أما المقبولة، فاحتمال إرادة الشهرة في الرواية منها تتجه بل لعلها ظاهر ما جاء فيها من التعبير: «فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقاة عنكم» و ما قد يلاحظ من أن الشهرة بهذا المعنى كان ينبغي تقديمها على الترجيح بالصفات، مع أنها ذكرت في المقبولة بعده، جوابه ما سوف يأتي الحديث عنه إن شاء اللّه تعالى من إن الترجيح بالصفات في المقبولة بلحاظ أحد الحكمين على الآخر لا الروايتين» [١]. و هناك تفصيل في الأخذ و الرد يذكر في محله فراجع.
(١) و بعبارة أخرى نقول: لا بد أن نعلم استنادهم في الفتوى إلى هذه الرواية حتى تكون أقرب إلى الواقع، و أما إذا لم نعلم استنادهم في الفتوى إلى هذه الرواية فهذا لا يكفي في أقربية الرواية إلى الواقع، و إن كانت فتاويهم مطابقة للرواية.
[١] مباحث الحجج و الأصول العملية، ج ٤، تعارض الأدلّة الشرعية، ص ٣٧١- ٣٧٢.