المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣٠ - الترجيح بموافقة الكتاب
و منها: خبر الحسن بن الجهم المتقدم (رقم ١) فقد جاء في صدره:
قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟
قال: «ما جاءك عنا فقسه على كتاب اللّه «عزّ و جلّ» و أحاديثنا؛ فإن كان يشبههما فهو منا، و إن لم يكن يشبههما فليس منا».
قال في الكفاية: (إن في كون أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظرا وجهه: قوة احتمال أن يكون المخالف للكتاب في نفسه غير حجة، بشهادة ما ورد في أنه زخرف و باطل و ليس بشيء أو إنه لم نقله أو أمر بطرحه على الجدار ...).
مختلفان فاعرضهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه». (وسائل الشيعة باب ٩ من أبواب صفات القاضي). و قد ناقشها السيد الصدر (قدس سره) من حيث السند، و المفاد، و علاقتها بسائر الروايات. فمن حيث السند: انتهى به الحديث بأن رواية الراوندي صحيحة سندا. و أما الحديث عن مفادها: فقد اشتمل مفادها على مرجحين طوليين:
الأول: الموافقة و المخالفة مع الكتاب، فيرجح ما وافق الكتاب على ما خالفه، و مقتضاه: الاقتصار في الترجيح على خصوص ما إذا كان أحد الخبرين موافقا مع الكتاب و الآخر مخالفا له، فلا يكفي مجرد مخالفة أحدهما للكتاب في ترجيح الآخر عليه. اللهم إلّا أن يستظهر كفاية ذلك بالتعدي و الفهم العرفي بدعوى: أن مناسبات الحكم و الموضوع العرفية في باب جعل الحجية و الطريقية تقتضي أن يكون الميزان في الترجيح عدم المخالفة مع الكتاب الكريم، لوضوح: عدم مجيء جميع التفاصيل و جزئيات الأحكام الشرعية فيه، فيكون المراد من الموافقة: عدم المخالفة.
الثاني: المخالفة و الموافقة مع العامة فيرجح ما خالف أخبارهم على ما وافقها. و قد يقال: باختصاص هذا الترجيح بما إذا كانت المخالفة و الموافقة مع أخبارهم لأنه الذي نص عليه الحديث، إلّا أن الصحيح التعدي إلى الموافقة و المخالفة مع فتاواهم و آرائهم أيضا و إن كانت على أساس غير الأخبار من أدلة الاستنباط عندهم، فإنه لا فرق بينه و بين الموافقة مع أخبارهم في الترجيح القائم على أساس نكتة طريقية لا تعبدية. و المستفاد من الرواية: طولية الترجيحين، و أن الأول منهما مقدم في مقام علاج التعارض على الثاني كما هو واضح.
و أما الحديث عن نسبتها إلى سائر الأخبار: فبلحاظ أخبار التخيير لو تم شيء منها تكون رواية الراوندي أخص مطلقا باعتبارها تثبت الترجيح في قسم خاص من حالات التعارض، و هو ما إذا كان أحد المتعارضين موافقا مع الكتاب أو مخالفا مع العامة [١].
[١] راجع: كتاب مباحث الحجج و الأصول العملية، ج ٤، ص ٣٥٧- ٣٥٨- تعارض الأدلّة الشرعية.