المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٤ - ٤- حديث الحجب (١)
قال: «ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع عنهم» (١).
ظاهره أن الشيء الذي حجبه اللّه و ستره عن عباده (بلحاظ أنه فعال لما يشاء و خبير بالمصالح و أزمة الأمور طرا بيده و لا يسأل عما يفعل) فهو موضوع و مرفوع عنهم بعد جعله و وضعه عليهم، لا ما سكت عنه «سبحانه و تعالى» و لم يجعله من الأول، فإن ما كان غير مجعول من بدء الأمر كيف يصح أن يرفع؟
و ببيان آخر: ظاهر الحجب المسند إليه تعالى أن ما حجبه عن عباده باعتبار أنه ربهم و صاحب اختيارهم فهو مرفوع عن عمومهم عموما استغراقيا لا عموما جمعيا كي لا تشمل المعتبرة الأحكام التي يجعلها بعضهم دون بعض، سواء كان وجه الحجب أمرا من الأمور الخارجية كإخفاء الغاصبين أو قهرا سماويا أو جبابريا كضياع الكتب و هلاكها من قبيل التصانيف الكثيرة لمحمد بن أبي عمير، حيث سال المطر عليها أو دفنتها أخته حينما كان في الحبس و تحت الضغط أربع سنين، أو غير ذلك من قبيل عدم كون المعصوم مأمورا بإبلاغه إلى العباد.
و في كل ذلك يصدق إسناد الحجب- حجب الحكم الواقعي- إليه سبحانه حقيقة، حيث أنه رب العالمين و خالق الكون و التكوين.
و قد تقتضي بعض المصالح إخفاءه و ستره و لو بسلب التوفيق عن العباد لا بسبب تقصيرهم؛ و ذلك بعدم فحصهم عن الحكم الواقعي الفعلي على ما يشير إليه لفظ:
«موضوع عنهم»، أي: الحكم الواقعي الفعلي المحجوب المجهول ساقط و مرفوض و متروك عنهم لفظا و رأفة فلا يجب عليهم الاحتياط، و في الحقيقة المرفوع في حقهم هو إيجاب الاحتياط.
و بهذا الشرح المختصر لهذا الحديث المعتبر ظهر أنه (في واقعة البراءة في الشبهة
لينصرف إلى ذلك النحو من الحجب، بل أسند إليه بما هو رب العالمين، و بيده الأمر من قبل و من بعد، و بهذا يشمل كل حجب يقع في العالم، و لا موجب لتقييده بالحجب الواقع منه بما هو حاكم.
و قد ذكر السيد الشهيد الصدر (قدس سره) ملاحظة ثانية على الاستدلال: و هو أن موضوع القضية ما حجب عن العباد، فتخصص بما كان غير معلوم لهم جميعا، فلا يشمل التكاليف التي يشك فيها بعض العباد دون بعض. و قد يجاب على ذلك باستظهار الانحلالية (مثل: أكرم كل عالم أي: أكرم كل عالم على نحو الانفراد أي: فردا فردا ...) من الحديث، بمعنى: أن كل ما حجب عن عبد فهو موضوع عنه، فالعباد لوحظوا بنحو العموم الاستغراقي لا العموم المجموعي.
(١) جامع أحاديث الشيعة ١: ٣٢٦/ رقم ٦٠٦. (٨).