المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٣ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
١- الكلام في صدر الآية: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، تمهيدا للاستدلال، فإن الظاهر من هذه الفقرة: نفي وجوب النفر على المؤمنين كافة (١)،
التكليف، إذا: الآية الشريفة حينما توجب الحذر على هذا الإنسان لا يعني افتراض وجوب الحذر عند إخبار المخبر أي: لا يعني حجيّة قول هذا المخبر، و إنما بناء على مسلك حق الطاعة قد تعني أن احتمال التكليف الذي يولده الخبر يكون منجّزا في حق هذا المكلف فيجب عليه الحذر، و هذا بخلاف البناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان. و من هنا يتعيّن أن يكون وجوب الحذر و المنجزيّة بالنسبة إلى السامع ناشئا من حجيّة قول المخبر؛ لأنه لو لم يكن قوله حجة لما كان هناك معنى لوجوب الحذر و المنجزيّة، لأن قبح العقاب بلا بيان قاعدة محكّمة في المقام، و هي تقول: إن احتمال التكليف غير منجز، فلما كان احتمال التكليف ليس له قيمة، و الآية توجب الحذر، و مؤدّى خبر هذا المخبر تنجز في حقه فينحصر تفسير هذه المنجزيّة، و وجوب الحذر بحجية قول المخبر عند ما نبني على حقّ الطاعة، و أما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فهذا الكلام لا يتم.
الاعتراض الثالث: إن هذه الآية أساسا لا تشمل محل كلامنا هو الخبر الذي يرويه زرارة مثلا أي: الخبر الذي يرويه الثقة، بينما الآية ليست ناظرة إلى الخبر المجرد، و إنما اعتبر فيها وجود الإنذار فهو ليس إخبارا مجرّدا، و إنما هو إخبار مطعم بشيء أكثر من الإخبار، و محل كلامنا هو الخبر العادي المجرّد نحو سمعت الإمام (عليه السلام) يقول كذا ... رأيت الإمام (عليه السلام) يفعل كذا ..
هذا هو محل كلامنا.
هل هذا الخبر حجة أم لا؟
أمّا الآية الكريمة فلا تفترض ذلك، فلو سلّمنا أن الآية تدل على حجيّة خبر المخبر و إن وجوب الإنذار ليس له تفسير إلّا الإيمان بحجيّة خبر هذا المخبر. لو سلّمنا بكل ذلك فهذا لا ينفع في محل الكلام لأن حجيّة قول المنذر لا تعني حجيّة قول المخبر؛ لأن المنذر غير المخبر. المنذر ليس هو الذي يخبر خبرا رآه بعينه و سمعه بأذنه، و إنما لا بدّ أن يطعم ما رآه بشيء من إعمال نظره حتّى يتحقق أنه منذر، فالواعظ حينما يرتقي المنبر تارة: يقول: يوجد في كتاب الكافي رواية كذا ... فينقل تلك الرواية التي رآها أو سمعها ... و تارة: يقول: أيها الناس اجتنبوا الخمر فإنه محرّم. في الحالة الثانية يصدق عليه أنّه أنذر الناس، لما ذا؟ لأنّه أعمل نظره و ذلك بأن استنبط شيئا مما سمعه، و أنذر الناس به بأن استنبط حرمة الخمر، و أنذر الناس بلزوم اجتنابه هذا يصدق عليه أنه إنذار لأنّه- أي الإنذار- عبارة عن إعمال نظر لا الإخبار الصرف. يعني: أن الإنذار هو مزج الإخبار باعمال النظر، و إلّا فهو إخبار.
و محل كلامنا هو الإخبار الصرف كخبر زرارة الذي سمعه من الإمام (عليه السلام)، بينما الآية في مقام الاجتهاد أي: في مقام إنذار المنذر لا إخبار المخبر» [١].
(١) يستفيد بعضهم من الآية: النهي عن نفر الكافة، و هي استفادة بعيدة، و ليست كلمة (ما) من أدوات النفي. إذا: ليس لهذه الآية أكثر من الدلالة على نفي الوجوب. (المصنّف).
[١] تقريري لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي على الحلقة الثانية.