المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦ - ٨- موطن حجية الأمارات
و غير قابلة لتعلق الجعل بها نفيا و إثباتا، و إنما الذي يصح و يمكن أن يقع في الباب هو:
إلفات نظر الخاطئ في قطعه إلى الخلل في مقدمات قطعه، فإذا تنبّه إلى الخلل في سبب قطعه فلا محالة أن قطعه سيتبدل إما إلى احتمال الخلاف أو إلى القطع بالخلاف و لا ضير في ذلك. و هذا واضح.
٨- موطن حجية الأمارات:
قد أشرنا في مبحث الإجزاء (المجلد الأوّل، ص ٤١٤) إلى أن جعل الطرق و الأمارات يكون في فرض التمكن من تحصيل العلم. و أحلنا بيانه إلى محله. و هذا هو محله، فنقول: إن غرضنا من ذلك القول هو أننا إذ نقول: إن الأمارة حجة كخبر الواحد- مثلا- فإنّما نعني أن تلك الأمارة مجعولة حجة مطلقا، أي: أنها في نفسها حجة مع قطع النظر عن كون الشخص الذي قامت عنده تلك الأمارة متمكنا من تحصيل العلم بالواقع أو غير متمكن منه، فهي حجة يجوز الرجوع إليها لتحصيل الأحكام مطلقا؛ حتى في موطن يمكن فيه أن يحصل القطع بالحكم لمن قامت عنده الأمارة، أي: كان باب العلم بالنسبة إليه مفتوحا.
فمثلا: إذا قلنا بحجية خبر الواحد فإنا نقول: إنه حجة حتى في زمان يسع المكلف أن يرجع إلى المعصوم رأسا فيأخذ الحكم منه مشافهة على سبيل اليقين، فإنه في هذا الحال لو كان خبر الواحد حجة يجوز للمكلف أن يرجع إليه، و لا يجب عليه أن يرجع إلى المعصوم.
و على هذا، فلا يكون موطن حجية الأمارات في خصوص مورد تعذّر حصول العلم أو امتناعه، أي: ليس في خصوص مورد انسداد باب العلم، بل الأعم من ذلك، فيشمل حتى موطن التمكن من تحصيل العلم و انفتاح بابه.
نعم، مع حصول العلم بالواقع فعلا لا يبقى موضع للرجوع إلى الأمارة، بل لا معنى لحجيتها حينئذ، لا سيما مع مخالفتها للعلم؛ لأن معنى ذلك انكشاف خطئها.
و من هنا كان هذا الأمر موضع حيرة الأصوليين و بحثهم، إذ للسائل- كما سيأتي- أن يسأل: كيف جاز أن تفرضوا صحة الرجوع إلى الأمارات الظنية مع انفتاح باب العلم بالأحكام، إذ قد يوجب سلوكها تفويت الواقع عند خطئها؟ و لا يحسن من الشارع أن يأذن بتفويت الواقع مع التمكن من تحصيله، بل ذلك قبيح يستحيل في حقه.