المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٦٠
و يجاب عن المقال: أن من الواضح وحدة مفاد أدلة البراءة المذكورة و مفاد دليل الاستصحاب في هذا الباب بلا تناف و تعاند، و عليه: فكل واحد دليل مستقل برأسه، و من كان غير مذعن بأحدهما أو غير ملتفت إليه فليحصل التأمين بالتنجيز أو التعذير بذاك الآخر.
و يمكن الاستفادة من الاستصحاب فيما إذا عومل مع دليلي البراءة و الاحتياط معاملة المتكافئين المتعارضين و بعد التساقط يرجع إلى استصحاب عدم فعلية التكليف من الأول إلى الآن، و تأتي الإشارة إلى ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
و فذلكة البحث: أن المقصد الرابع من الكتاب الحاضر موضوعه الشك بالحكم و التحير فيه، أي: عدم تمامية دليل عليه عند الباحث.
و الشك على قسمين: ١- شك بدوي و أنه محور أصل البراءة، كنا نحن في مقام التماس الحجة عليه و قد فرغنا- بحمد اللّه- إلى هنا عن إقامة آيات خمس و أحاديث كذلك على ذلك.
٢- شك محفوف بالعلم الإجمالي، يأتي كلام حوله يناسب وضع الكتاب.
***
تفصيلي و شك بدوي بطلت منجزيته، و جرت الأصول المؤمنة خارج نطاق العلم التفصيلي.
و الاعتراض الثاني: أن أدلة البراءة معارضة بأدلة شرعية، و روايات تدل على وجوب الاحتياط، و هذه الروايات إما رافعة لموضوع أدلة البراءة، و إما مكافئة لها، و ذلك أن هذه الروايات بيان لوجوب الاحتياط لا للتكليف الواقعي المشكوك.
فدليل البراءة إن كانت البراءة فيه مجعولة في حق من لم يتم عنده البيان لا على التكليف الواقعي، و لا على وجوب الاحتياط، كانت تلك الروايات رافعة لموضوع البراءة المجعولة فيه، باعتبارها بيانا لوجوب الاحتياط، و إن كانت البراءة في دليلها مجعولة في حق من لم يتم عنده البيان على التكليف الواقعي، فروايات الاحتياط لا ترفع موضوعها، و لكنها تعارضها، و مع التعارض لا يمكن أيضا الاعتماد على أدلة البراءة، و إلّا يلزم الترجيح بلا مرجح. و مثال النحو الأول من أدلة البراءة:
البراءة المستفادة من قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، فإن الرسول اعتبر كمثال لمطلق البيان و إقامة الحجة. و إقامة الحجة كما تحصل بإيصال الحكم الواقعي، كذلك بإيصال وجوب الاحتياط. فروايات وجوب الاحتياط بمثابة بعث الرسول، و بذلك ترفع موضوع البراءة.
و مثال النحو الثاني: من أدلة البراءة المستفادة من حديث الرفع أو الحجب، فإن مفاده: الرفع الظاهري للتكليف الواقعي المشكوك، و معنى الرفع الظاهري: عدم وجوب الاحتياط، فالبراءة المستفادة من هذا الحديث و أمثاله تستبطن بنفسها نفي وجوب الاحتياط و ليس منوطة بعدم ثبوته.