المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٢ - ٤- خبر الواحد (١)
علما و لا عملا، و أوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم، لأن خبر الواحد إذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، و من ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا).
و أصرح منه قوله بعد ذلك: (و العقل لا يمنع من العبادة بالقياس و العمل بخبر الواحد (١). و لو تعبد الله تعالى بذلك لساغ و لدخل في باب الصحة؛ لأن عبادته بذلك توجب العلم الذي لا بدّ أن يكون العمل تابعا له).
و على هذا فيتضح: أن المسلّم فيه عند الجميع أن خبر الواحد لو خلّي و نفسه لا يجوز الاعتماد عليه؛ لأنه لا يفيد إلّا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. و إنما موضع النزاع هو قيام الدليل القطعي على حجيته.
و على هذا: فقد وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة:
فمنهم من أنكر حجيته مطلقا (٢)، و قد حكي هذا القول عن السيّد المرتضى و القاضي و ابن زهرة و الطبرسي و ابن إدريس، و ادعوا في ذلك الإجماع. و لكن هذا القول منقطع الآخر فإنه لم يعرف موافق لهم بعد عصر ابن إدريس إلى يومنا هذا.
و منهم من قال: (إن الأخبار المدونة في الكتب المعروفة لا سيما الكتب الأربعة مقطوعة الصدق) (٣). و هذا ما ينسب إلى جماعة من متأخري الأخباريين، قال الشيخ الأنصاري تعقيبا على ذلك: (و هذا قول لا فائدة في بيانه و الجواب عنه إلّا التحرز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم (٤)، و إلّا فمدعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه ...).
و أما القائلون بحجية خبر الواحد فقد اختلفوا أيضا: فبعضهم يرى أن المعتبر من الأخبار هو كل ما في الكتب الأربعة بعد استثناء ما كان فيها مخالفا للمشهور.
و بعضهم يرى أن المعتبر بعضها، و المناط في الاعتبار عمل الأصحاب، كما يظهر ذلك من المنقول عن المحقق في المعارج، و قيل: المناط فيه عدالة الراوي أو مطلق وثاقته، أو مجرد الظن بالصدور من غير اعتبار صفة في الراوي ... إلى غير ذلك من
(١) و أما عن ابن قبا فقال: العقل يحكم بعدم إمكان التعبد بالعمل بالخبر الواحد بل مطلق الظن.
(٢) أي: سواء كان الراوي ثقة أو عدلا أو غير ذلك.
(٣) و الكتب الأربعة هي: ١- من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (قدس سره)، ٢- الكافي للكليني (قدس سره) ٣ و ٤- التهذيب و الاستبصار للطوسي (قدس سره).
(٤) أي: للأخباريين.