المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٥٤ - تعريفه
و إلى تعريف القاعدة نظر من عرف الاستصحاب بأنه: (إبقاء ما كان).
فإن القاعدة في الحقيقة معناها: إبقاؤه حكما، و كذلك من عرفه بأنه: (الحكم ببقاء ما كان)، و لذا قال الشيخ الأنصاري عن ذلك التعريف: (و المراد بالإبقاء:
الحكم بالبقاء) (١)، بعد أن قال: (إنه أسد التعاريف و أخصرها).
و لقد أحسن و أجاد في تفسير الإبقاء بالحكم بالبقاء، ليدلنا على أن المراد من الإبقاء الإبقاء حكما الذي هو القاعدة، لا الإبقاء عملا الذي هو فعل العامل بها.
*** و قد اعترض على هذا التعريف الذي استحسنه الشيخ بعدة أمور نذكر أهمها و نجيب عنها:
منها: لا جامع للاستصحاب بحسب المشارب فيه من جهة المباني الثلاثة الآتية في حجيته، و هي: الأخبار، و بناء العقلاء، و حكم العقل.
فلا يصح أن يعبر عنه بالإبقاء على جميع هذه المباني؛ و ذلك لأن المراد منه: إن كان الإبقاء العملي من المكلف فليس بهذا المعنى موردا لحكم العقل؛ لأن المراد من حكم العقل هنا: إذعانه كما سيأتي، و إذعانه إنما هو ببقاء الحكم لا بإبقائه العملي من المكلف. و إن كان المراد منه: الإبقاء غير المنسوب إلى المكلف، فمن الواضح: إنه لا جهة جامعة بين الإلزام الشرعي الذي هو متعلق بالإبقاء و بين البناء العقلائي و الإدراك العقلي.
و الجواب يظهر مما سبق، فإن المراد من الاستصحاب هو: القاعدة في العمل المجعولة من قبل الشارع، و هي قاعدة واحدة في معناها على جميع المباني، غاية
(١) ذهب الشيخ الآخوند (قدس سره) صاحب الكفاية إلى تعريف الاستصحاب بأنه «الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه». و المراد «ببقاء حكم»: هو الشك في بقاء الحكم كما لو شك المكلف في بقاء وجوب صلاة الجمعة، فإنه يستصحب بقاء حكم وجوب صلاة الجمعة، هذا يعبرون عنه بالاستصحاب الحكمي.
- و المراد من «أو موضوع ذي حكم» في التعريف: هو الشك في بقاء موضوع الحكم، كما لو شككنا في بقاء الكرية، أو العدالة فإنه يستصحب بقاء الكرية الذي هو موضوع الطهارة، و يستصحب بقاء العدالة التي هي موضوع جواز الائتمام بالإمام في الصلاة.
فإذا لم يكن المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا للحكم الشرعي فلا معنى للتعبد ببقائه.