المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٨٨ - ١- دلالة فعل المعصوم (٤)
ذلك، و ذلك فيما إذا صدر منه الفعل محفوفا بالقرينة؛ كأن يحرز أنه في مقام بيان حكم من الأحكام أو عبادة من العبادات كالوضوء و الصلاة و نحوهما، فإنه حينئذ يكون لفعله ظهور في وجه الفعل من كونه واجبا أو مستحبا أو غير ذلك حسبما تقتضيه القرينة.
و لا شبهة في أن هذا الظهور حجة كظواهر الألفاظ بمناط واحد، و كم استدل الفقهاء على حكم أفعال الوضوء و الصلاة و الحج و غيرها و كيفياتها بحكاية فعل النبي أو الإمام في هذه الأمور. كل هذا لا كلام و لا خلاف لأحد فيه.
و إنما وقع الكلام للقوم في موضعين:
١- في دلالة فعل المعصوم المجرد عن القرائن على أكثر من إباحة الفعل، فقد قال بعضهم: إنه يدل بمجرده على وجوب الفعل بالنسبة إلينا. و قيل: يدل على استحبابه.
و قيل: لا دلالة له على شيء منهما، أي: إنه لا يدل على أكثر من إباحة الفعل في حقنا.
و الحق: هو الأخير؛ لعدم ما يصلح أن يجعل له مثل هذه الدلالة.
و قد يظن ظان: أن قوله تعالى في سورة الأحزاب (٢١): لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ يدل على وجوب التأسي و الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه و آله) في أفعاله، و وجوب الاقتداء بفعله يلزم منه وجوب كل فعل يفعله في حقنا و إن كان بالنسبة إليه لم يكن واجبا، إلّا ما دل الدليل الخاص على عدم وجوبه في حقنا.
و قيل: إنه إن لم تدل الآية على وجوب الاقتداء فعلى الأقل تدل على حسن الاقتداء به و استحبابه.
و قد أجاب العلامة الحلي عن هذا الوهم فأحسن، كما نقل عنه، إذ قال: (إن الأسوة عبارة عن الإتيان بفعل الغير لأنه فعله على الوجه الذي فعله، فإن كان واجبا تعبدنا بإيقاعه واجبا، و إن كان مندوبا تعبدنا بإيقاعه مندوبا، و إن كان مباحا تعبدنا
و ما يناظره من الأدلة الشرعية الدالة على جعل النبي و الإمام قدوة، فإن فرض ذلك يقتضي إلغاء دخل النبوة و الإمامة في سلوكها لكي يكون قدوة لغير النبي و الإمام، فما لم يثبت بدليل أن الفعل المعين من مختصات النبي و الإمام يبنى على عدم الاختصاص.