المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٨٧ - ١- دلالة فعل المعصوم (٤)
على الأقل، كما أن تركه لفعل يدل على عدم وجوبه على الأقل.
و لا شك في: أن هذه الدلالة بهذا الحد أمر قطعي ليس موضعا للشبهة بعد ثبوت عصمته. ثم نقول بعد هذا: إنه قد يكون لفعل المعصوم من الدلالة ما هو أوسع من
الواجب في الوضوء، و هذا كما قلنا لا كلام فيه. و إنما الكلام وقع في الفعل الخالي و المجرد عن القرينة هل يستفاد منه وجوب هذا الفعل أو استحبابه أم لا؟
هنا يقال: إنه لا إشكال في أن الفعل الصادر من الإمام المعصوم لا يدل على الحرمة، كما أن ترك الفعل يدل على عدم وجوبه، يبقى سؤال يطرح نفسه هل فعل المعصوم (عليه السلام) يستفاد منه الوجوب أو الاستحباب أم لا؟ و في مقام الجواب نقول: هناك من ذهب إلى الالتزام بدلالة الفعل على الاستحباب أو الوجوب، و هناك من ذهب إلى الالتزام بعدم الدلالة.
و من ذهب إلى أن فعل المعصوم (عليه السلام) يدل على استحبابه و رجحانه فيما إذا كان فعله (عليه السلام) عبادة- و إلّا إذا كان فعله (عليه السلام) غير عبادي فإنه لا يدل على كونه راجحا (واجبا أو مستحبا). لأنه قد يكون فعله مباح. إذا: إذا كان فعل المعصوم عباديا فإنه يدل على مشروعيته و رجحانه.
- هل يدل فعل المعصوم (عليه السلام) على المكروه؟ و بعبارة أخرى: هل نستطيع أن نستفيد من صدور الفعل من المعصوم (عليه السلام) عدم الكراهية؟ هذه المسألة مبنية على مسألة كلامية و هي: هل إن المعصوم يصدر منه المكروه أم لا؟ الجواب: المعصوم (عليه السلام) لا يترك الأولى بفعل المكروه. و عليه:
نستطيع أن نستفيد من الترك عدم استحباب المتروك، كما نستفيد من الفعل عدم كونه مكروها. و يذكر السيد الشهيد الصدر (قدس سره) نقطة مهمة في الموضوع و هي: دلالة ترك المعصوم على عدم استحباب المتروك، و دلالة فعل المعصوم على عدم كونه مكروها إنما تتحقق في إثبات حكم لمكلف عند افتراض وحدة الظروف المحتمل دخلها في الحكم الشرعي، بمعنى: لا بدّ أن يكون ظرف المكلف متحدا مع ظرف المعصوم- فعند ما يجد المكلف ظرفه متحدا مع ظرف الحسين (عليه السلام) في ثورته يتعين حينئذ وجوب الجهاد و إعلان الثورة على الظالمين. و هكذا- و قلنا بوحدة الظروف و ذلك لأن الفعل لما كان دالا صامتا و ليس له إطلاق فلا يعين ما هي الظروف التي لها دخل في إثبات ذلك الحكم للمعصوم، فما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن أن نثبت الحكم.
ثم عقب السيد الشهيد الصدر (قدس سره) بإثارة اعتراض عام في المقام، و هو أن نفس النبوة و الإمامة ظرف يميز المعصوم دائما عن غيره من الناس العاديين، فكيف يمكن أن نثبت الحكم على أساس فعل المعصوم؟ بعبارة أخرى: فإن العصمة ظرف الإمام (عليه السلام)، و هذه الصفة غير متوفرة في الناس العاديين، فالطريق غير متحد ما بين الإمام المعصوم (عليه السلام) و بين المكلفين لعدم عصمتهم فكيف يمكن أن نثبت الحكم على أساس فعل المعصوم؟
و الجواب على ذلك: «إن احتمال دخل هذا الظرف في الحكم المكتشف ملغى بقوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [١].
[١] الأحزاب: ٢١.