المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٧ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
و حينئذ: نقول لمن ينكر حجية ظواهر الكتاب: ما ذا تعني من هذا الإنكار؟
١- إن كنت تعني هذا المعنى الذي تقدم ذكره- و هو عدم جواز التسرع بالأخذ بها من دون فحص عما يصلح لصرفها عن ظواهرها، و عدم جواز التسرع بالأخذ بها من كل أحد- فهو كلام صحيح. و هو أمر طبيعي في كل كلام عال رفيع، و في كل مؤلف في المعارف العالية. و لكن قلنا: إنه ليس معنى ذلك إن ظواهره مطلقا ليست بحجة بالنسبة إلى كل أحد.
السنة، و هم أصحاب أبي حنيفة. فالرأي يكون كاشفا عن وجود اتجاه فقهي واسع، و الروايات تنهى عن تفسير القرآن الكريم بهذا الاتجاه الذي يعمل بالاستحسان العقلية و بالقياس، و أمثال هذه الأمور التي يعمل بها أهل القياس. فالروايات ناظرة إلى مبنى الرأي. أما العمل بالظاهر فليس عملا بالرأي المنهي عنه. لأن احتمال كون هذا المعنى مرادا من اللفظ ليس ناشئا من الاستحسانات العقلية، و إنما ناشئ من علاقة هذا المعنى بهذا اللفظ بعلاقة خاصة موجبة لكون احتمال إرادة هذا المعنى احتمالا كبيرا، فحينما نقول: إن المراد من هذا اللفظ هذا المعنى هذا لا يعني تفسيرا للقرآن الكريم بالرأي لأننا لم نعمل الرأي أصلا.
و بعبارة أخرى: قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره): «بأن كلمة الرأي منصرفة- على ضوء ما نعرفه من ملابسات عصر النص (أي: عصر الأئمة)، و ظهور هذه الكلمة كمصطلح و شعار لاتجاه فقهي واسع- إلى الحدس و الاستحسان، فلا تشمل الرأي المبني على قريحة عرفية عامة». فإن الرأي المنهي عنه هو الرأي القائم على أساس الظن، و على أساس القياس و الاستحسان، لا الرأي القائم و المبني على قريحة عرفية عامة أي: على أساس العرف العام، أي: العرف يفهم منه ذلك المعنى.
ثانيا: قلنا سابقا: إن السيرة منعقدة على العمل بالظواهر في زمن المعصومين، و هذا استدللنا عليه سابقا، و هو مفروغ عنه، و هذه الطائفة من الروايات لا تصلح لأن تكون رادعة عن ذلك.
الآن نحاول أن نجيب على جميع الطوائف المتقدمة من الروايات. و الجواب عليها يكون بالروايات التي دلت على التمسك بالقرآن الكريم الصادق عرفا على العمل بظواهره، و العمل بظاهر الكتاب يعتبر تمسكا بالكتاب. فإذا: نحن مأمورون بالعمل بالظاهر، فحينئذ تكون هذه الروايات منافية للروايات السابقة التي تدل على عدم جواز العمل بظاهر الكتاب.
و من هذه الروايات التي دلت على التمسك بالقرآن الكريم الصادق عرفا على العمل بظواهره: ما تواتر بين العامة و الخاصة عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض» [١].
و هناك من الروايات التي تأمرنا بالتمسك بالقرآن الكريم، و العمل على ما في القرآن كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «انتفعوا ببيان الله و اتعظوا بمواعظ الله و اقبلوا نصيحة الله، فإن الله قد أعذر إليكم بالجلية
[١] الوسائل ج ١٨، الباب ٥ من أبواب صفات القاضي، ح ٩.