المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٢٥ - الترجيح بالشهرة
غير إنه- مع ذلك- لا يجعلها شاهدا على ما نحن فيه، و السر في ذلك واضح لأن اعتبار شيء في الراوي بما هو حاكم غير اعتباره فيه بما هو راو و محدث، و المفهوم من المقبولة: أن ترجيح الأعدل و الأورع و الأفقه إنما هو بما هو حاكم في مقام نفوذ حكمه، لا في مقام قبول روايته.
و يشهد لذلك: أنها جعلت من جملة المرجحات كونه (أفقه) في عرض كونه أعدل و أصدق في الحديث. و لا ربط للأفقهية بترجيح الرواية من جهة كونها رواية.
نعم إن المقبولة انتقلت بعد ذلك إلى الترجيح للرواية بما هي رواية ابتداء من الترجيح بالشهرة، و إن كان ذلك من أجل كونها سندا لحكم الحاكم. فإن هذا أمر آخر غير الترجيح لنفس الحكم و بيان نفوذه.
و عليه، فالمقبولة لا دليل فيها على الترجيح بالصفات. و أما الترجيح بالشهرة و ما يليها فسيأتي الكلام عنه، و يؤيد هذا الاستنتاج: إن صاحب الكافي لم يذكر في مقدمة كتابه الترجيح بصفات الراوي.
٣- الترجيح بالشهرة (١): تقدم ص ٢٣٩: إن الشهرة ليست حجة في نفسها،
(١)
الترجيح بالشهرة:
إن الشهرة تعتبر من المرجحات. فما المراد منها هنا؟ ذكر هذا البحث في مباحث الظن، و لا بأس بالإشارة إليها هنا لأجل أن نميز ما هو المرجح من أقسامها عند التعارض؟ فنقول: إن الشهرة على أقسام ثلاث:
الأول: الشهرة الروائية: و هي اشتهار الرواية بين الرواة و المحدثين و رواها رواة متعددون عن الإمام (عليه السلام)، خصوصا إذا كان تعدد الرواة في كل طبقة، و خصوصا إذا ضبطها المحدثون المصنفون في كتبهم و جوامعهم العظام.
و لا إشكال في كون مثل هذه الشهرة من المرجحات، لأن الظاهر من قوله (عليه السلام) كما في المقبولة: «خذ بما اشتهر بين أصحابك» هو هذا المعنى من الشهرة، و لا يبعد أن يكون هذا هو القدر المتيقن في المقبولة التي صرح فيها بترجيح الخبر المشهور على الشاذ النادر.
الثاني: الشهرة العملية: و هي عبارة عن عمل المشهور على طبقها مستندا إليها في مقام الفتوى أو عمل نفسه، و ظاهر أن النسبة بينها و بين الشهرة الروائية عموم و خصوص من وجه.
و لا شبهة في صحة الترجيح بهذه الشهرة، بل هي مدار حجية الخبر الضعيف، إذ بها ينجبر الضعف و يدخل في موضوع الحجية الذي هو عبارة عن الخبر الموثوق الصدور، فيكون من مرجحات الصدور كما عليه المشهور.
الثالث: الشهرة الفتوائية: و هي على قسمين: الشهرة الفتوائية بين القدماء، و الشهرة الفتوائية بين المتأخرين.