المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦٤ - معنى حجية الاستصحاب
التوصيف بالحجة سائر الأصول العملية و القواعد الفقهية و المجعولة للشاك الجاهل بالواقع، فإنها كلها توصف بالحجة في تعبيراتهم، و لا شك في: إنه لا معنى لأن يراد منها الحجة في باب الأمارات، فيتعين أن يراد منها هذا المعنى اللغوي من الحجة.
و بهذه الحجة تفترق القواعد و الأصول الموضوعة للشاك عن سائر الأحكام التكليفية، فإنها لا يصح توصيفها بالحجة مطلقا حتى بالمعنى اللغوي.
غير إنه يجب ألا يغيب عن البال: أن توصيف القواعد و الأصول الموضوعة للشاك بالحجة يتوقف على ثبوت مجعوليتها من قبل الشارع بالدليل الدال عليها، فالحجة في الحقيقة هي: القاعدة المجعولة للشاك بما أنها مجعولة من قبله، و إلّا إذا لم تثبت مجعوليتها لا يصح أن تسمى قاعدة فضلا عن توصيفها بالحجة.
و عليه: فيكون المقوم لحجية القاعدة المجعولة للشاك- أية قاعدة كانت- هو الدليل الدال عليها الذي هو حجة بالمعنى الاصطلاحي.
و إذا ثبت صحة توصيف نفس قاعدة الاستصحاب بالحجة بالمعنى اللغوي: لم تبق حاجة إلى التأويل لتصحيح توصيف الاستصحاب بالحجة- كما صنع بعض مشايخنا طيب اللّه ثراه- إذا جعل الموصوف بالحجة فيه على اختلاف المباني أحد أمور ثلاثة:
١- (اليقين السابق): باعتبار أنه يكون منجزا للحكم حدوثا عقلا و الحكم بقاء بجعل الشارع.
٢- (الظن بالبقاء اللاحق): بناء على اعتبار الاستصحاب من باب حكم العقل.
٣- (مجرد الكون السابق): فإن الوجود السابق يكون حجة في نظر العقلاء على الوجود الظاهري في اللاحق، لا من جهة وثاقة اليقين السابق، و لا من جهة رعاية الظن بالبقاء اللاحق، بل من جهة الاهتمام بالمقتضيات و التحفظ على الأغراض الواقعية.
فإن كل هذه التأويلات إنما نلتجئ إليها إذا عجزنا عن تصحيح توصيف نفس الاستصحاب بالحجة، و قد عرفت صحة توصيفه بالحجة بمعناها اللغوي. ثم لا شك في: أن الموصوف بالحجة في لسان الأصوليين نفس الاستصحاب، لا اليقين المقوم لتحققه، و لا الظن بالبقاء، و لا مجرد الكون السابق، و إن كان ذلك كله مما يصح توصيفه بالحجة.