المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٣ - ٤- تعادل و تراجيح المتزاحمين
بينهما؛ بأن يمتثل إما هذا أو ذاك، و هنا يقع التزاحم بين الحكمين، و طبعا إنما يفرض ذلك فيما إذا كان الحكمان إلزاميين.
و من أجل هذا قلنا في الشرط الخامس من شروط التعارض: إن امتناع اجتماع الحكمين في التحقق إذا كان في مقام التشريع دخل الدليلان في باب التعارض لأنهما حينئذ يتكاذبان. أما إذا كان الامتناع في مقام الامتثال: دخلا في باب التزاحم إذ لا تكاذب حينئذ بين الدليلين. و هذا هو الفرق الحقيقي بين باب التعارض و باب التزاحم في أي مورد يفرض.
و ينبغي ألا يغيب عن بال الطالب: أنه حينما ذكرنا العامين من وجه فقط في مقام التفرقة بين البابين- كما تقدم في الجزء الثاني- لم نذكره لأجل اختصاص البابين بالعامين من وجه، بل لأن العامين من وجه موضع شبهة عدم التفرقة بين البابين ثم بينهما و بين باب اجتماع الأمر و النهي. و قد سبق تفصيل ذلك هناك فراجع.
و عليه، فالضابط في التفرقة بين البابين- كما أشرنا إليه أكثر من مرة- هو أن الدليلين يكونان متعارضين إذا تكاذبا في مقام التشريع، و يكونان متزاحمين إذا امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال مع عدم التكاذب في مقام التشريع.
و في تعارض الأدلّة قواعد للترجيح ستأتي، و قد عقد هذا الباب لأجلها و ينحصر الترجيح فيها بقوة السند أو الدلالة.
و أما التزاحم فله قواعد أخرى تتصل بالحكم نفسه و لا ترتبط بالسند أو الدلالة، و لا ينبغي أن يخلو كتابنا من الإشارة إليها، و هذه خير مناسبة لذكرها، فنقول:
٤- تعادل و تراجيح المتزاحمين:
لا شك في: أنه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية، فإن الحكم فيهما هو التخيير، و هذا أمر محل اتفاق، و إن وقع الخلاف في تعادل المتعارضين أنه يقتضي التساقط أو التخيير على ما سيأتي.
و في الحقيقة: أن هذا التخيير إنما يحكم به العقل، و المراد به: العقل العملي. بيان ذلك: إنه بعد فرض عدم إمكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين و عدم جواز تركهما معا، و لا مرجح لأحدهما على الآخر حسب الفرض و يستحيل الترجيح بلا مرجح، فلا مناص من أن يترك الأمر إلى اختيار المكلف نفسه، إذ يستحيل بقاء التكليف الفعلي في كل منهما، و لا موجب لسقوط التكليف فيهما معا، و هذا الحكم العقلي مما تطابقت عليه آراء العقلاء.