المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٦ - الباب الرابع الدليل العقلي
و هذا أمر طبيعي، لأنه إذا كان الدليل العقلي مقابلا للكتاب و السنة لا بد ألا يعتبر حجة إلّا إذا كان موجبا للقطع الذي هو حجة بذاته، فلذلك لا يصح أن يكون شاملا للظنون، و ما لا يصلح للقطع بالحكم من المقدمات العقلية (١).
و لكن هذا التحديد بهذا المقدار لا يزال مجملا، و قد وقع خلط و خبط عظيمان في فهم هذا الأمر، و لأجل أن ترفع جميع الشكوك و المغالطات و الأوهام لا بد لنا من توضيح الأمر بشيء من البسط، لوضع النقاط على الحروف كما يقولون، فنقول:
و مثاله: الصلاة واجبة هذه صغرى، و هي مقدمة شرعية، و الكبرى و هي: كل ما وجب شرعا تجب مقدمته، و هذه عقلية لأن ما يحكم بوجوب المقدمة في الواجب هو العقل، و النتيجة: مقدمة الصلاة واجبة و هذا ما يسمى بباب غير المستقلات العقلية.
و يوجد تقسيم آخر للقضايا العقلية:
١- قضايا عقلية تحليلية.
٢- قضايا عقلية تركيبية.
المراد من القضايا العقلية التحليلية: هي الإدراكات العقلية التي يقع البحث فيها عن تفسير ظاهرة معينة من الظواهر، من قبيل البحث الواقع في تفسير حقيقة الوجوب التخييري. هذا بحث مستقل يقع بعد ذلك في باب غير المستقلات العقلية. فتفسير ظاهرة معينة هذا يسمى بالبحث العقلي التحليلي.
و أما البحث العقلي التركيبي: فهو البحث بعد الفراغ عن تفسير تلك الظاهرة و عن فهم معناها يقع البحث في استحالتها و إمكانها. و البحث في استحالة الشيء و إمكانه بعد الفراغ عن فهم معناه و ما هو المقصود به، و يسمى هذا بحثا عقليا تركيبيا من قبيل البحث عن استحالة التكليف بغير المقدور و هل هو محال أو ممكن، فالبحث عن الاستحالة أو الإمكان يكون بحثا عقليا تركيبيا.
و يوجد تقسيم آخر و هو: أن الأدلّة العقلية المستقلة التركيبية التي يبحث فيها عن الاستحالة أو الإمكان تنقسم إلى قسمين:
١- القضايا العقلية المستقلة التركيبية: التي تستوجب نفي الحكم الشرعي، من قبيل استحالة التكليف بغير المقدور و هو حكم عقلي تركيبي؛ إلّا أنه سالب بمعنى: إنه لا يثبت الحكم الشرعي، و إنما ينفي الحكم الشرعي، فإنه بعد الفراغ من استحالة التكليف بغير المقدور في مورد عدم القدرة نستطيع أن نستدل بهذه الاستحالة نفي التكليف.
٢- القضايا العقلية المستقلة التركيبية الموجبة: بمعنى: أنها يتوصل بها إلى إثبات الحكم الشرعي [١].
(١) فالذي لا يورث القطع بالحكم الشرعي لا يشملها الدليل القطعي، بل نحن نقصد بالحكم القطعي هو الذي يورث لنا القطع بالحكم الشرعي.
[١] ما ذكر من الدليل العقلي و تفصيلاته هو خلاصة من تقريري لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي «حفظه الله تعالى» للحلقة الثالثة، الجزء الأول.