المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٥ - وجه حجية العقل (٢)
إن التشكيك في حكم العقل سفسطة ليس وراءها سفسطة، نعم كل ما يمكن الشك فيه هو الصغريات، أعني: ثبوت الملازمات في المستقلات العقلية أو في غير المستقلات العقلية. و نحن إنما نتكلم في حجية العقل لإثبات الحكم الشرعي بعد ثبوت تلك الملازمات. و قد شرحنا في الجزء الثاني مواقع كثيرة من تلك الملازمات، فأثبتنا بعضها في مثل المستقلات العقلية، و نفينا بعضا آخر في مثل مقدمة الواجب و مسألة الضد. أما بعد ثبوت الملازمة و ثبوت الملزوم فأي معنى للشك في حجية العقل، أو الشك في ثبوت اللازم، و هو حكم الشارع.
و لكن مع كل هذا وقع الشك لبعض الأخباريين في هذا الموضوع، فلا بد من تجليته لكشف المغالطة، فنقول:
قد أشرنا في الجزء الأول، ص ٣٦٧، إلى هذا النزاع، و قلنا: إن مرجع هذا النزاع إلى ثلاث نواح، و ذلك حسب اختلاف عباراتهم:
الأولى: في إمكان أن ينفي الشارع حجية هذا القطع. و قد اتضح لنا ذلك بما شرحناه في حجية القطع الذاتية من هذا الجزء، ص ٢٨، فارجع إليه، لتعرف استحالة النهي عن اتباع القطع.
الثانية: بعد فرض إمكان حجية القطع هل نهى الشارع عن الأخذ بحكم العقل؟
و قد ادعى ذلك جملة من الأخباريين الذين وصل إلينا كلامهم مدعين إن الحكم الشرعي لا يتنجز و لا يجوز الأخذ به إلّا إذا ثبت من طريق الكتاب و السنة.
أقول: و مرد هذه الدعوى في الحقيقة إلى دعوى تقييد الأحكام الشرعية بالعلم بها من طريق الكتاب و السنة، و هذا خير ما يوجه به كلامهم، و لكن قد سبق الكلام مفصلا في مسألة اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل، ص ٥٦، من هذا الجزء، فقلنا: إنه يستحيل تعلق الأحكام على العلم بها مطلقا، فضلا عن تقييدها بالعلم الناشئ من سبب خاص (١)، و هذه الاستحالة ثابتة حتى لو قلنا بإمكان نفي حجية القطع، لما قلناه من لزوم الخلف، كما شرحناه هناك.
و أما ما ورد عن آل البيت (عليهم السلام) من نحو قولهم: «إن دين الله لا يصاب بالعقول» فقد ورد في قباله مثل قولهم: «إن لله على الناس حجتين: حجة
(١) أي: من الكتاب و السنة.