المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦٥ - ١- هل القياس يوجب العلم؟
و قيل: من الممكن تحصيل العلم بالعلة بطريق برهان السبر و التقسيم. و برهان السبر و التقسيم عبارة عن عد جميع الاحتمالات الممكنة، ثم يقام الدليل على نفي واحد واحد حتى ينحصر الأمر في واحد منها، فيتعين، فيقال مثلا:
حرمة الربا في البر: إما أن تكون معللة بالطعم، أو بالقوت، أو بالكيل، و الكل باطل ما عدا الكيل، فيتعين التعليل به.
أقول: من شرط برهان السبر و التقسيم ليكون برهانا حقيقيا، أن تحصر المحتملات حصرا عقليا من طريق القسمة الثنائية (١) التي تتردد بين النفي و الإثبات.
و ما يذكر من الاحتمالات في تعليل الحكم الشرعي لا تعدو أن تكون احتمالات استطاع القائس أن يحتملها و لم يحتمل غيرها، لا إنها مبنية على الحصر العقلي المردد بين النفي و الإثبات.
و إذا كان الأمر كذلك فكل ما يفرضه من الاحتمالات يجوز أن يكون وراءها احتمالات لم يتصورها أصلا، و من الاحتمالات أن تكون العلة اجتماع محتملين أو أكثر مما احتمله القائس. و من الاحتمالات: أن يكون ملاك الحكم شيئا آخر خارجا عن أوصاف المقيس عليه لا يمكن أن يهتدي إليه القائس، مثل التعليل في قوله تعالى (سورة النساء: ١٦٠): فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، فإن الظاهر من الآية: أن العلة في تحريم الطيبات عصيانهم لا أوصاف تلك الأشياء.
بل من الاحتمالات عند هذا القائس- الذي لا يرى تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد- إن الحكم لا ملاك و لا علة له، فكيف يمكن أن يدعي حصر العلل فيما احتمله و قد لا تكون له علة؟
و على كل حال، فلا يمكن أن يستنتج من مثل السبر و التقسيم هنا أكثر من الاحتمال. و إذا تنزلنا فأكثر ما يحصل منه الظن.
فرجع الأمر بالأخير إلى الظن وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً.
و في الحقيقة: إن القائلين بالقياس لا يدعون إفادته العلم، بل أقصى ما يتوقعونه إفادته للظن، غير أنهم يرون أن مثل هذا الظن حجة. و في البحث الآتي نبحث عن أدلة حجيته.
(١) كتاب المنطق للمؤلف، ١/ ١٠٦- ١٠٨. الطبعة الثانية.