المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٩ - إمكان نسخ القرآن
ظاهرتين (١)، و إنما أكثر ما تدل الآيتان على إمكان وقوعه.
إمكان نسخ القرآن:
قد وقعت عند بعض الناس شبهات في إمكان أصل النسخ ثم في إمكان نسخ القرآن خاصة. و تنويرا للأذهان نشير إلى أهم الشبه و دفعها، فنقول:
١- قيل: إن المرفوع في النسخ إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له، و الثابت يستحيل رفعه، و ما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه. و على هذا فلا بدّ أن يأول النسخ بمعنى: رفع مثل الحكم لا رفع عينه، أو بمعنى: انتهاء أمد الحكم.
و الجواب: إنا نختار الشق الأوّل و هو: أن المرفوع ما هو ثابت، و لكن ليس معنى رفع الثابت رفعه بما هو عليه من حالة الثبوت و حين فرض ثبوته (٢) حتى يكون ذلك مستحيلا (٣)، بل هو من باب إعدام الموجود (٤) و ليس إعدام الموجود بمستحيل.
و الأحكام لما كانت مجعولة على نحو القضايا الحقيقية فإن قوام الحكم يكون بفرض الموضوع موجودا، و لا يتوقف على ثبوته خارجا تحقيقا، فإذا أنشئ الحكم كذلك فهو ثابت في عالم التشريع و الاعتبارات بثبوت الموضوع فرضا، و لا يرتفع إلّا برفعه تشريعا. و هذا هو معنى رفع الحكم الثابت، و هو النسخ.
٢- و قيل: إن ما أثبته الله من الأحكام لا بدّ أن يكون لمصلحة أو مفسدة في متعلق الحكم، و ما له مصلحة في ذاته لا ينقلب فيكون ذا مفسدة، و كذلك العكس، و إلّا لزم انقلاب الحسن قبيحا و القبيح حسنا، و هو محال.
و حينئذ: يستحيل النسخ؛ لأنه يلزم منه هذا الانقلاب المستحيل، أو عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة. و الأخيران مستحيلان بالنسبة إلى الشارع المقدس.
و الجواب واضح، بعد معرفة ما ذكرناه في الجزء الثاني في المباحث العقلية من معاني الحسن و القبيح، فإن المستحيل انقلاب الحسن و القبح الذاتيين، و لا معنى
(١) و مما يؤيد إمكان وقوع النسخ في التلاوة: دلالة أداة الشرط في الآية في كونها تستعمل لما سوف يقع في المستقبل، و يتفاءل بوقوعه.
(٢) أي: إن النسخ لا يتعلق بجعل المنسوخ من بداية جعله بل النسخ يكون من وقت النسخ. و ما قبل النسخ إلى وقت جعله الحكم نافذ و ذو مصلحة.
(٣) للزوم اللغوية في إنشائه.
(٤) أي: إعدام الموجود بعد وجوده.