المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٧ - النسخ اصطلاحا
الظاهري بسبب الظهور اللفظي، و لذلك فرفع الحكم- الثابت بظهور العموم أو الإطلاق- بالدليل المخصص أو المقيد لا يسمى نسخا؛ بل يقال له: تخصيص أو تقييد أو نحوهما، باعتبار أن هذا الدليل الثاني المقدم على ظهور الدليل الأوّل يكون قرينة عليه و كاشفا عن المراد الواقعي للشارع، فلا يكون رافعا للحكم إلّا ظاهرا، و لا رفع فيه للحكم حقيقة بخلاف النسخ.
الخارج، فإن قوام تلك القضايا إنما هو بفرض وجود موضوعها فيه سواء أ كان موجودا حقيقة أم لم يكن، مثلا: قول الشارع: (شرب الخمر حرام) ليس معناه أن هنا خمرا في الخارج و أن هذا الخمر محكوم بالحرمة في الشريعة، بل مرده هو: أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة فيها سواء أ كان موجودا في الخارج أو لم يكن.
الثانية: مرتبة الفعلية و هي مرتبة ثبوت ذلك الحكم في الخارج بثبوت موضوعه فيه، مثلا: إذا تحقق الخمر في الخارج تحققت الحرمة المجعولة له في الشريعة المقدسة.
و من الطبيعي أن هذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها خارجا فلا يعقل انفكاكها عنه، حيث أن نسبة الحكم إلى الموضوع من هذه الناحية نسبة المعلول إلى العلة التامة، و عليه: فإذا انقلب الخمر خلا فبطبيعة الحال ترتفع تلك الحرمة الفعلية الثابتة له في حال خمريته، ضرورة: إنه لا يعقل بقاء الحكم مع ارتفاع موضوعه.
و بعد ذلك قال السيد (قدس سره): ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه ليس من النسخ في شيء و لا كلام في إمكانه و وقوعه في الخارج، و إنما الكلام في إمكان ارتفاع الحكم عن موضوعه (المفروض وجوده) في عالم التشريع و الجعل، المعروف و المشهور بين المسلمين هو إمكان النسخ بالمعنى المتنازع فيه (رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع و الجعل)، و خالف في ذلك اليهود و النصارى فادعوا استحالة النسخ، و استندوا في ذلك إلى شبهة لا واقع موضوعي لها، و حاصلها هو أن النسخ يستلزم أحد محذورين لا يمكن الالتزام بشيء منهما، إما عدم حكمة الناسخ أو جهله بها و كلاهما مستحيل في حقه تعالى، و السبب فيه: أن تشريع الأحكام و جعلها منه «سبحانه و تعالى» لا محالة يكون على طبق الحكم و المصالح التي هي تقتضيه، بداهة أن جعل الحكم جزافا و بدون مصلحة ينافي حكمة الباري تعالى، فلا يمكن صدوره منه.
و على هذا الضوء فرفع الحكم الثابت في الشريعة المقدسة لموضوعه لا يخلو من أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من جهة المصلحة و علم الناسخ بها، أو يكون من جهة البداء و كشف الخلاف كما يقع ذلك غالبا في الأحكام و القوانين العرفية و لا ثالث لهما، و الأول ينافي حكمة الحكيم المطلق، فإن مقتضى حكمته استحالة صدور الفعل منه جزافا. و من المعلوم: أن رفع الحكم مع بقاء مصلحته المقتضية لجعله أمر جزاف فيستحيل صدوره منه، و الثاني يستلزم الجهل منه تعالى و هو محال في حقه سبحانه.
فالنتيجة: أن وقوع النسخ في الشريعة المقدسة بما أنه يستلزم المحال فهو محال لا محالة.