المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٦٦ - ٥- معتبر عمر بن حنظلة (٤)
سبب النجاة في مورد العلم بالتكليف إجمالا و عروض الاشتباه و الالتباس لشخص المكلف به، و هذا أجنبي عما نحن فيه، و هو التفتيش عن وجود دليل على لزوم الاحتياط في مورد الشك البدوي ثم إجراء البراءة بعد اليأس.
و أما الصنف الثاني و هو الأخبار الآمرة بالكفّ و التوقف عند الشبهة: فإنها ناظرة إلى الكفّ عن القول بغير علم و الوقوف أمام خطر المشكوك لا الشك، أي: إذا كان في الولوج في المشكوك خشية هلكة فالمناسب التريث و التأمل لئلا يقع الإنسان في خطر أمر محظور باستعجال، و الاحتياط بهذا المعنى لا ينكره أحد.
على أن الشبهة المستعملة في هذا الصنف من الروايات غير الشك البدوي مفهوما، فإنه الحيرة و الاحتمال، و الشبهة ما تشابه المقصد و تماثله من بين الأمثال، و لذا ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «و إنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق» (١).
فهذا الصنف من الروايات يرشد إلى: أنه إن كان هناك التباس و تدليس و نفاق فعليكم بالحذر و التثبت و التمحيص إلى أن يجلو لكم وجه الحق و يتبين الرشد من الضلال، فأين هذا من الدلالة على لزوم الاحتياط في الشكوك البدوية بعد الفحص و الدقة؟ و أي ربط له بلزوم الاجتناب عند احتمال الثبوت لحكم شرعي؟
أما الصنف الثالث الموسوم بأخبار التثليث، فالهدف فيها الحث على الابتعاد عما يتردد أن فيه الرشد أو الغي، و هذا أيضا بجانب بعيد عن المقصد و هو لزوم الاحتياط في إطار ما هو مشكوك الحلية و الحرمة، و ما وردت الرخصة فيه من ناحية الشرع ضمن أدلة البراءة داخل في المبين رشده.
و هكذا الجواب عن أخبار ادّعيت دلالتها على لزوم الاحتياط في الشك البدوي في الحرمة، مضافا إلى: أنها على الأغلب ضعيفة سندا.
فالحق: إنه لا دليل لفظي في البين يدل على تحتم الاحتياط في مورد الشك في الحكم التحريمي فضلا عن الوجوبي، و في مورد الشك في الموضوع، فإن هذه الأخبار بناء على تسليم الدلالة و إن تشمل الأخيرين بإطلاق أو عموم لكنهما خارجان عن تحتها بالاتفاق و الإجماع تخصصا لا من باب عمل التخصيص فإن
(١) نهج البلاغة، الخطبة ٣٨.