المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٤ - ٧- حجية العلم ذاتية
و هذا تناقض بحسب نظر القاطع و وجدانه يستحيل أن يقع منه حتى لو كان في الواقع على خطأ في قطعه الأوّل، و لا يصح هذا إلّا إذا تبدّل قطعه و زال. و هذا شيء آخر غير ما نحن في صدده.
و الحاصل: أن اجتماع القطعين بالنفي و الإثبات محال كاجتماع النفي و الإثبات، بل يستحيل في حقه حتى احتمال إن قطعه ليس طريقا إلى الواقع. فإن هذا الاحتمال مساوق لانسلاخ القطع عنده و انقلابه إلى الظن، فما فرض أنه قطع لا يكون قطعا، و هو خلف محال.
و هذا الكلام لا ينافي أن يحتمل الإنسان أو يقطع أن بعض علومه على الإجمال غير المعين في نوع خاص و لا في زمن من الأزمنة كان على خطأ، فإنه بالنسبة إلى كل قطع فعلي بشخصه لا يتطرق إليه الاحتمال بخطئه، و إلّا لو اتفق ذلك لا نسلخ عن كونه قطعا جازما.
نعم لو احتمال خطأ أحد علوم محصورة و معينة في وقت واحد فإنه لا بدّ أن تنسلخ كلها عن كونها اعتقادا جازما، فإن بقاء قطعه في جميعها مع تطرق احتمال خطأ واحد منها لا على التعيين لا يجتمعان.
و الخلاصة: أن القطع يستحيل جعل الطريقية له تكوينا و تشريعا (١)، و يستحيل نفيها عنه، مهما كان السبب الموجب له (٢).
***
(١) بالجعل التأليفي.
(٢) تلخص من هذا الكلام: أن الحجيّة ثابتة للقطع لأنها من لوازمه الذاتية. و أنه يستحيل أن تنفك الحجيّة عن القطع؛ لأن اللازم لا ينفك عن الملزوم.
و المراد من القطع الذي تكون المنجزية و الحجيّة من لوازمه: هو القطع بتكليف المولى «سبحانه و تعالى»، و أما القطع بتكليف من غير المولى فليس بحجة و ليس منجزا على المأمور.
قلنا: إن المنجزية لا تنفك عن القطع بالتكليف، و لا يمكن للمولى الترخيص في مخالفة القطع نفيا أو إثباتا، كما لا فرق في كون القطع حجة سواء كان مصيبا أو مخطئا للحكم الواقعي.
كما لا يخفى: أن المراد من القطع الحجة هو القطع الطريقي دون الموضوعي. و توضيح ذلك نقول:
يوجد عندنا قطع طريقي و موضوعي، و المراد من القطع الطريقي هو: ما كان طريقا للحكم الواقعي.
و بعبارة أخرى: تارة: يحكم الشارع بحرمة لحم الخنزير مثلا فيقطع المكلف بالحرمة أي: قطع المكلف إن هذا اللحم لحم خنزير، و بذلك يصبح التكليف منجزا عليه، و يسمى هذا القطع بالقطع الطريقي