المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٥ - ٢- التفصيل بين الشك في المقتضى و الرافع
النقض هو رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل، و الأقرب إليه على تقدير مجازيته هو رفع الأمر الثابت) إلى أن قال: (فيختص متعلقه بما من شأنه الاستمرار).
و عليه: فلا يشمل اليقين المنهي عن نقضه بالشك في الأخبار اليقين؛ إذا تعلق بأمر ليس من شأنه الاستمرار أو المشكوك استمراره (١).
توضيح مقصوده مع المحافظة على ألفاظه حد الإمكان: إن النقض لغة لما كان معناه رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل، فإن هذا المعنى الحقيقي ليس هو المراد من الروايات قطعا؛ لأن المفروض في مواردها طرو الشك في استمرار المتيقن، فلا هيئة اتصالية باقية لليقين و لا لمتعلقه بعد الشك في بقائه و استمراره.
فيتعين أن يكون إسناد النقض إلى اليقين على نحو المجاز، و لكن هذا المجاز له معنيان يدور الأمر بينهما، و إذا تعددت المعاني المجازية فلا بد أن يحمل اللفظ على
(١) إن معنى النقض الحقيقي رفع الهيئة الاتصالية الحسية الحاصلة في الأشياء و إبانة أجزائها كنقض الحبل و الغزل و الجدار و نحوها مما يكون له هيئة اتصالية حسية، و منه قوله تعالى: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً و إذا تعذر حمله على المعنى الحقيقي فلا بد من حمله على أقرب المجازات، و يدور الأمر في المقام بين إرادة أحد معنيين مجازيين، الأول: رفع اليد عن الشيء الثابت مع وجود المقتضي لبقائه لو لا عروض المزيل كالطهارة و الزوجية الدائمية، و الثاني: رفع اليد عن مطلق اليقين و إن لم يكن في متعلقه استعداد الاستمرار، كاليقين بالزوجية الانقطاعية أو بإضاءة السراج إلى ساعتين لقلة زيته.
و من المعلوم: أن الأقرب إلى المعنى الحقيقي هو الأول، أعني: الأمر الثابت الذي فيه اقتضاء البقاء في عدم الزمان، فكأنه (عليه السلام) قال: «لا ترفع اليد عن المتيقن الثابت القابل للاستمرار بالشك في بقائه». وجه الأقربية ما تقرر من: أن الجملة المشتملة على فعل إذا تعلق به شيء و تعذر الأخذ بمدلول كليهما معا قدم ظهور الفعل على ظهور متعلقه، كما إذا قال المولى: «لا تضرب أحدا» فإن ظهور الضرب في الضرب المؤلم حاكم على إطلاق «أحد» الشامل للأحياء و الأموات، و تكون خصوصية الفعل منشأ لتخصيص «أحد» بالأحياء، و لا يصير عموم المتعلق قرينة على تعميم الضرب لغير الأحياء.
و في المقام حيث كانت إرادة رفع اليد عما من شأنه البقاء أقرب إلى معنى «النقض» الحقيقي، فلذا يتصرف في عموم المتعلق- أعني: «اليقين»- و يخصص بما فيه استعداد البقاء، و عليه: فيتم المطلوب و هو اختصاص الاستصحاب بالشك في الرافع.
و قد تحصل: أن المنقوض في أخبار الاستصحاب لا بد أن يكون مما يقتضي البقاء بحيث يكون الشك في بقائه مستندا إلى الشك في وجود الرافع كالنوم و سائر النواقض المعهودة للوضوء. [منتهى الدراية في توضيح الكفاية للسيد محمد جعفر الجزائري المروج].