المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٧٥ - الشبهة غير المحصورة، حكمها و ضابطها
انطباقه على الأطراف، أي: أن مرتكب الأطراف بحساب الاحتمالات لما يضع إصبعه مثلا على كل طرف من أطراف المعلوم بالإجمال يرى نفسه مطمئنا بعدم تطبيقه على موضع الإصبع إلّا على احتمال ضئيل جدا، و هذا الاطمئنان أمر عرفي عقلائي حجة لديهم.
و مما ذكرنا عرف الميزان و الضابط لتشخيص الشبهة المحصورة عن غيرها، ففي كل مورد كان مريد الارتكاب مطمئنا بانطباق المعلوم بالإجمال على موضع الارتكاب فهو من المحصورة، و إذا كان غير مطمئن بذلك بل كان مطمئنا بعدم الانطباق فهو من غيرها، سواء أعرض عسر أم حرج عند الفعل أو الترك لكثرة الأطراف أم لا؟ أم اتفق اضطرار إلى أحد الأطراف أو خروجه عن تحت الابتلاء أم لا؟ (١)، فإن الضابط الأساسي للافتراق عن المحصورة و غيرها هو الاطمئنان الشخصي المذكور.
صح تقسيم الشبهة التحريمية إلى محصورة و غير محصورة دون الشبهة الوجوبية.
و بعبارة أخرى: تنقسم الشبهة الوجوبية إلى محصورة و غير محصورة على غرار الشبهة التحريمية، و قلنا في غير المحصورة: لا يجب فيها الامتثال اليقيني و الموافقة القطعية، سواء كانت الشبهة غير المحصورة تحريمية أم وجوبية؛ و ذلك لعجز المكلف في الغالب أن يرتكب جميع الأطراف الكثيرة في الوجوبية، تماما كما يعجز في الغالب و عادة عن ترك جميع الأطراف في التحريمية، فمن نذر- مثلا- صوم يوم معين من سنة معينة، ثم نسي تعيين اليوم المنذور، و في نفس الوقت يصعب أن يصوم جميع أيام السنة و ذلك لاستلزامه الحرج، و المشقة. و من علم أن في السوق لحم خنزير، يشق عليه أن يجتنب كل اللحوم الموجودة في السوق لحاجته للحم.
إذا: لا فرق بين الشبهة التحريمية و الوجوبية من حيث الموافقة القطعية و عدم وجوبها، و إنما الفرق بين الشبهتين في المخالفة القطعية، فإنها تحرم في الوجوبية غير المحصورة لمكان القدرة على ترك جميع الأطراف، و لا تحرم المخالفة القطعية في التحريمية غير المحصورة لما قلناه سابقا: بأن العلم الإجمالي لا أثر له بعد فرض أن المخالفة القطعية متعسرة و متعذرة عادة و في الغالب أي: غير ممكن للمكلف أن يترك جميع الأطراف.
و إذا حرمت المخالفة القطعية في الشبهة الوجوبية غير المحصورة، قيل: بوجوب الموافقة الاحتمالية بفعل بعض الأطراف دون بعض، و قيل: أن يأتي المكلف من الأطراف قدر الإمكان. و القول الثاني هو أقرب من الأول و ذلك كما قيل: الضرورة تقدّر بقدرها.
(١) كما إذا كان اجتناب الكل أو ارتكابه مضرا بنفسه أو بماله، أو موجبا لوقوعه في العسر و الحرج، أو كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء.