المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٠ - (٣) اشتراط الظن الفعلي بالوفاق
احتمال خطأ المتكلم، أو غفلته، أو تعمده للإيهام لحكمة، أو نصبه لقرينة تخفى على الغير أو لا تخفى. ثم لا يكون الظاهر حجة إلّا إذا كان البناء العملي من العقلاء على إلغاء مثل هذه الاحتمالات، أي: عدم الاعتناء بها في مقام العمل بالظاهر.
و عليه: فالنفي الادعائي العملي للاحتمالات هو المقوم لحجية الظهور، لا نفي الاحتمالات عقلا من جهة استحالة تحقق المحتمل، فإنه إذا كانت الاحتمالات مستحيلة التحقق لا تكون محتملات، و يكون الكلام حينئذ نصا لا نحتاج في الأخذ به إلى فرض بناء العقلاء على إلغاء الاحتمالات.
و إذا اتضح ذلك نستطيع أن نعرف إن هذا التوجيه المذكور للقول بالتفصيل في حجية الظهور لا وجه له، فإنه أكثر ما يثبت به: أن نصب القرينة الخفية- بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه- أمر محتمل غير مستحيل التحقق؛ لأنه لا يقبح من الحكيم أن يصنع ذلك، فالقرينة محتملة عقلا. و لكن هذا لا يمنع من أن يكون البناء العملي من العقلاء على إلغاء مثل هذا الاحتمال، سواء أمكن أن يعثر على هذه القرينة بعد الفحص- لو كانت- أو لا يمكن.
٤- ثم على تقدير تسليم الفرق في حجية الظهور بين المقصود بالإفهام و بين غيره، فالشأن كل الشأن في انطباق ذلك على واقعنا بالنسبة إلى الكتاب العزيز و السنة.
أما الكتاب العزيز، فإنه من المعلوم لنا: أن التكاليف التي يتضمنها عامة لجميع المكلفين و لا اختصاص لها بالمشافهين. و بمقتضى عمومها يجب ألا تقترن بقرائن تخفى على غير المشافهين، بل لا شك في: إن المشافهين ليسوا وحدهم المقصودين بالإفهام بخطابات القرآن الكريم.
و أما السنة، فإن الأحاديث الحاكية لها على الأكثر تتضمن تكاليف عامة لجميع المكلفين أو المقصود بها إفهام الجميع حتى غير المشافهين، و قلما يقصد بها إفهام خصوص المشافهين في بعض الجوابات على أسئلة خاصة. و إذا قصد ذلك فإن التكليف فيها لا بد أن يعم غير السائل بقاعدة الاشتراك (١). و مقتضى الأمانة في النقل و عدم الخيانة من الراوي المفروض فيه ذلك أن ينبه على كل قرينة دخيلة في
(١) يريد أن يقول المصنف: بأننا حتى لو قلنا بأن الظواهر ليست بحجة في حق من لم يقصد بالإفهام، و لكن بحكم قاعدة الاشتراك يمكن أن تثبت في حقنا من التكاليف ما يثبت في حق المقصودين بالإفهام.