المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٢ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
أقول: إن القائلين بحجية ظواهر الكتاب:
١- لا يقصدون حجية كل ما في الكتاب، و فيه آيات محكمات و أخر متشابهات. بل المتشابهات لا يجوز تفسيرها بالرأي، و لكن التمييز بين المحكم و المتشابه ليس بالأمر العسير على الباحث المتدبر، إذا كان هذا ما يمنع من الأخذ بالظواهر التي هي من نوع المحكم.
الأحكام. فالآية لا تشمل لمن يتبع المتشابه بلا فصل عن المحكم.
الجواب الثالث: ما قد يقال: من إن الآية ليست نصا في الشمول لظاهر الكتاب، و إنما هي ظاهرة في الشمول، و هذا الظهور يشمله النهي نفسه فيلزم من حجية ظاهر الآية في إثبات الردع عن العمل بظواهر الكتاب الكريم نفي هذه الحجية.
الدليل الثاني: السنة: الروايات الناهية عن الرجوع إلى ظواهر القرآن الكريم يمكن تصنيفها إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: ما دل من الروايات على أن القرآن الكريم مبهم و غامض قد استهدف المولى إغماضه و إبهامه لأجل تأكيد حاجة الناس إلى الحجة (أي: المعصوم)، و إنه لا يعرفه إلّا من خوطب به (و هم النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)، و إن غير المعصوم لا يصل إلى مستوى فهمه، كما يرشد إليه جملة من النصوص المتضمنة لذلك.
منها: ما عن بعض أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث أنه قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبي حنيفة: «أنت فقيه أهل العراق»؟ قال: نعم، قال: «فبما تفتيهم»؟ قال: بكتاب الله و سنة نبيه، قال:
«يا أبا حنيفة: تعرف كتاب الله حق معرفته و تعرف الناسخ و المنسوخ»؟ قال: نعم: قال: «يا أبا حنيفة:
لقد ادعيت علما، ويلك ما جعل الله ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاص من ذرية نبينا محمد (صلى الله عليه و آله)، و ما ورثك الله من كتابه حرفا- و ذكر الاحتجاج عليه- إلى أن قال: «يا أبا حنيفة إذا ورد عليك شيء ليس في كتاب الله و لم تأت به الآثار و السنة كيف تصنع»؟ فقال: أصلحك الله أقيس و أعمل فيه برأيي، قال: «يا أبا حنيفة: أن أول من قاس إبليس الملعون قاس على ربنا «تبارك و تعالى»، فقال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»،* قال: فسكت أبو حنيفة، فقال: «يا أبا حنيفة أيما أرجس البول أو الجنابة»؟ فقال: البول، فقال: «فما بال الناس يغتسلون من الجنابة، و لا يغتسلون من البول»؟ فسكت، فقال: «يا أبا حنيفة: أيما أفضل: الصلاة أم الصوم»؟ قال:
الصلاة، قال: «فما بال الحائض تقضي صومها، و لا تقضي صلاتها»؟ فسكت [١].
و منها: ما رواه زيد الشحام، قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: «يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة»؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال: أبو جعفر (عليه السلام): «بلغني أنك تفسر القرآن»، فقال له قتادة: نعم، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «بعلم تفسره أم بجهل»؟ قال: لا بعلم،
[١] الوسائل، ج ١٨، الباب السادس من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٧.