المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٧ - ١١- اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل
فالعلم و ما يقوم مقامه يكون- على ما هو التحقيق- شرطا لتنجّز التكليف لا علة تامة (١)، خلافا للشيخ الآخوند صاحب الكفاية (قدس سره) (٢). فإذا لم يحصل العلم و لا ما يقوم مقامه- بعد الفحص و اليأس- لا يتنجّز عليه التكليف الواقعي، يعني: لا يعاقب المكلف لو وقع في مخالفته عن جهل، و إلّا لكان العقاب عليه عقابا بلا بيان، و هو قبيح عقلا، (و سيأتي إن شاء الله تعالى في أصل البراءة شرح ذلك).
و في قبال هذا القول: زعم من يرى أن الأحكام إنما تثبت لخصوص العالم بها أو من قامت عنده الحجة، فمن لم يعلم بالحكم و لم تقم لديه الحجة عليه لا حكم في حقه حقيقة و في الواقع.
و من هؤلاء من يذهب إلى تصويب المجتهد (٣)، إذ يقول: إن كل مجتهد مصيب.
- الجواب على السؤال الأول: الأحكام عند تشريعها تعم العالم بها و الجاهل بها و هذا ما اتفقت عليه الإمامية و ذلك للوجوه التالية:
أ- الأخبار المستفيضة الدالة على اشتراك الأحكام، و قد ورد ما مضمونه: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: هلّا عملت. فيقول: لم أعلم، فيقال: هلّا تعلّمت». إن هذا الحديث يدل بصراحة على ثبوت الأحكام للعالم و الجاهل أيضا، و لو لم يكن ثابت للجاهل لما كان للتوبيخ من معنى.
ب- إطلاقات أدلة تلك الأحكام فإنها تدل على شمولية الحكم للعالم و الجاهل على السواء.
و من خلال هذه الأدلة أصبحت قاعدة اشتراك الحكم الشرعي بين العالم و الجاهل موردا للقبول على وجه العموم؛ إلّا إذا دل دليل خاص على خلاف ذلك كما هو في مورد الإخفات بدل الجهر أو بالعكس أو الإتمام بدل القصر فإنها ثابتة للعالم دون الجاهل.
إذا: البحث في مسألة اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل يتعلق أمره في السؤال الأول دون السؤال الثاني؛ إذ من الواضح: أن العقاب مختص بالعالم فقط، و لا يتنجز الحكم في حق الجاهل و إلّا لزم استحقاق العقاب بلا بيان و هو قبيح عقلا.
(١) فجعل الحكم+ العلم به- علة تامة لتنجّز التكليف.
(٢) فعنده العلم و ما يقوم مقامه علة تامة لتنجّز التكليف.
(٣) و هو عبارة عن كل ما يصل إليه المجتهد عن طريق الأمارة هو حكم الله في حقه، و هذا هو التصويب. فالمصنف في مقام طرح ثمرة بحث استحالة اختصاص الحكم بالعالم. و حاصله: أن الأحكام إذا كانت عامة لجميع الناس فلازم ذلك: أن الأمارة و الأصل اللذين يتمسك بهما المكلف حالة جهلة بالحكم الواقعي قد تصيبان و قد تخطئان. و بعبارة أخرى: يترتب على القول بشمولية الحكم للعالم و الجاهل أن الأمارات و الأصول- التي يرجع إليها المكلف الجاهل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية- قد تصيب الواقع، و قد تخطئ. فللشارع إذا: أحكام واقعية محفوظة في حق الجميع، و الأدلة و الأصول في معرض الإصابة و الخطأ، غير أن خطأها مغتفر لأن الشارع جعلها حجة، و هذا