المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٣ - ٦- المناط في إثبات حجية الأمارة
اعتبارها و حجيتها؛ لأن حجيتها ثابتة بالعلم.
***
ما تقوله الأمارة يجعل الشارع مماثله، و يسمى هذا المسلك مسلك جعل الحكم المماثل.
و هناك فارق مهم بين المسلكين الأولين و المسلك الثالث، فالأخير يتضمن جعل حكم، بينما المسلكان الأولان لا يتضمّنان ذلك؛ و إنما يتضمّنان جعل العلمية أو المنجزيّة لا أكثر.
و بعد الفراغ من المقدمة المذكورة نعرج على جواب الميرزا.
إنه يقول: إنّ إشكال اجتماع المثلين أو الضدين ينشأ من تفسير الحجيّة بالاحتمال الثالث، إذ بناء عليه:
إذا قامت الأمارة على وجوب الجمعة أو حرمتها نشأ حكم مماثل لما تقوله، و يلزم اجتماعه مع الحكم الواقعي. هذا و لكن الصحيح تفسيرها بالاحتمال الأول: أي: جعلها علما و طريقا من دون أن يثبت على طبقها حكم جديد؛ ليلزم عند اجتماعه مع الحكم الواقعي محذور اجتماع المثلين، أو الضدين- هذا جواب النائيني- و قريب منه جواب الآخوند في الكفاية حيث قال: إن معنى جعل الحجيّة هو جعل المنجزيّة من دون جعل حكم على طبقها حتى يلزم محذور اجتماع المثلين، إذا: جواب النائيني لا يختلف عن جواب الآخوند من حيث الروح سوى أن الأول فسّر الحجيّة بالمسلك الأوّل، بينما الثاني فسّرها بالمسلك الثاني.
و قد تسأل: لما ذا فسّر النائيني الحجيّة بجعل العلمية دون المنجزيّة كما اختاره الآخوند، مع أن تفسيرها بذلك لعله أقرب إلى الصواب، فإن المولى حينما يجعل شيئا معيّنا حجّة فلا يقصد من ذلك إلّا جعله موجبا لاستحقاق العقوبة على تقدير المخالفة؟
و الجواب: أن النكتة تكمن في إن الأمارة لا تفيد إلّا الظن فكيف يجعلها المولى منجّزة و موجبة لاستحقاق العقوبة، و الحال أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفض ذلك، إن الأمارة ما دامت لا تفيد العلم فلا يمكن أن يجعلها المولى موجبة لاستحقاق العقوبة، فلا بدّ أوّلا من جعل الأمارة علما لتصير مخالفتها بعد ذلك موجبة لاستحقاق العقوبة، فإنه مع العلم تصح العقوبة سواء كان العلم علما حقيقيا أم كان ظنا رفع إلى درجة العلم.
و أورد السيد الشهيد الصدر (قدس سره) على هذا الجواب الأول: بأن الميرزا يتصوّر أن المشكلة تنشأ من اجتماع حكمين، و لذا حاول تفسير الحجيّة بالعلمية لكي لا يلزم ذلك، بيد أن الصحيح إنها لم تنشأ من ذلك، إذ مجرد اجتماع حكمين لا محذور فيه، فإن الحكم مجرد اعتبار، و اجتماع الاعتبارين أمرّ معقول حتى في صورة تنافي متعلقهما، فيمكن أن يعتبر وقت واحد ليلا و نهارا، و هكذا في مقامنا يمكن اعتبار صلاة الجمعة واجبة و محرمة في وقت واحد، و إنما المشكلة تنشأ من اجتماع المصلحتين و المفسدتين أو المصلحة و المفسدة، فإن الحكم الواقعي بوجوب الجمعة ناشئ عن مصلحة فيها و حجيّة الأمارة ناشئة عن مصلحة أخرى فيها أيضا، فيلزم اجتماع المصلحتين، إن المشكلة تكمن هنا لا في اجتماع الحكمين بما هما اعتباران حتى يحاول تغيير الحجيّة من جعل الحكم المماثل إلى جعل الطريقية، و نحن نقول للميرزا: إن حجيّة الأمارة إذا كانت ناشئة من مصلحة أخرى في صلاة الجمعة