المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥ - ٦- المناط في إثبات حجية الأمارة
.....
المتضادين، كما و لا يلزم صيرورة الشيء الواحد محبوبا و مبغوضا، فإن الخل الواقعي محبوب واقعا و لا يلزم بجعل الحرمة على السائل المشكوك صيرورته- الخل الواقعي- مبغوضا، فإن الحكم المذكور لم ينشأ عن مبغوضية الخل بل هو وليد الملاك الأهم و هو مفسدة الخمر.
و ينبغي الالتفات إلى: أن الحكم الواقعي بإباحة الخل تارة: ينشأ من وجود مصلحة في شرب الخل- كمصلحة التسهيل- تقتضي تشريع الإباحة، و تسمى مثل هذه الإباحة بالإباحة الاقتضائية، و أخرى:
ينشأ من عدم وجود مفسدة في تناول الخل و عدمه، و مثل هذه الإباحة تسمى بالإباحة غير الاقتضائية.
و حديثنا السابق كنا نفترض فيه الإباحة إباحة اقتضائية، ففي حالة تردد الشيء بين كونه مباحا إباحة اقتضائية و بين كونه محرما يقدّم الملاك الأهم و يشرّع الحكم الظاهري على طبقه، أما إذا كانت الإباحة غير ذلك فالقانون الذي يشرّعه المولى لا بدّ و أن يكون هو الحكم بحرمة كل مشكوك، إذ الإباحة غير الاقتضائية ليس لها ملاك حتى ينشئ المولى الحكم الظاهري على طبقها؛ بل لا بدّ من تشريع حرمة المشكوك لانحصار الملاك بذلك، و باختصار: أن الإباحة إذا لم تكن اقتضائية تعيّن كون الحكم الظاهري هو حرمة المشكوك، و إذا كانت اقتضائية ففيه احتمالان: حرمة كل مشكوك فيما لو كانت المفسدة هي الأهم، و إباحة كل مشكوك فيما لو كانت الإباحة هي الأهم.
هذا حصيلة ما أفاده (قدس سره)، و هو يصور لنا فيه حقيقة الحكم الظاهري و أنه حكم وليد الملاك الأهم، و يصور لنا أن مبادئ الحكم الظاهري هي عين مبادئ الحكم الواقعي، الأمر الذي يضفي على الحكم الواقعي و الظاهري كمال الألفة، و إلى كل هذا نلمس في الجواب المذكور تطابقه و الذوق العقلائي، فكثيرا ما نتداوله في حياتنا الاعتيادية، و على سبيل المثال قد ترغب أحيانا في دخول بعض الأصدقاء عليك و تكره دخول بعضهم الآخر، فإذا دقّ الباب و شككت في الطارق و لم تعلم أنه الصديق الأول حتى تفتح له الباب، أو الثاني حتى تبقيه مغلقا، في مثل هذه الحالة تأخذ بالموازنة بين المصلحة في دخول الأول و المفسدة في دخول الثاني، فإذا رأيت الأولى أهم فتحت الباب أو أصدرت أمرا بفتحه حالة الشك لكل طارق، و إذا كانت الثانية أعظم أصدرت أمرا على العكس، و إن الأمر الصادر المذكور حكم ظاهري مجعول حالة الشك و لم يتولّد من مصلحة مغايرة للمصلحة الواقعية، و كم و كم من أمثلة هذا القبيل نعاصرها في حياتنا العادية تقوم على أساس الفكرة المذكورة. و هناك جواب ثالث فمن أراده فليراجع الحلقة الثالثة الجزء الأول للسيد الصدر.
الجواب عن الشبهة الثانية لابن قبة: من خلال ما سبق يتجلى الجواب عن الشبهة الثانية لابن قبة- و هي شبهة نقض الغرض القائلة بأن تشريع الحكم الظاهري يستلزم فوات مصلحة الواقع في بعض الحالات- فإن فوات مصلحة الواقع لا محذور فيه ما دام ذلك للحفاظ على الملاك الأهم.
الجواب على الشبهة الثالثة: الشبهة الثالثة المصطلح عليها بشبهة تنجّز الواقع المشكوك- و هي: أن تشريع حجيّة الأمارة و الأصل لغو و بلا فائدة، فإن وجوب الجمعة مثلا إذا كان مجهولا قبل دلالة الأمارة عليه فبعد دلالتها عليه لا يصح العقاب على ترك امتثاله لأنه عقاب بلا بيان، إذ بالأمارة لا يصبح الواقع معلوما بل و مظنونا- تتم على مسلك المشهور القائل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان كما هو واضح، و لا تتم على مسلك السيد الشهيد الذي يرى أن التكليف المحتمل منجّز أيضا و إن لم يكن