المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦ - ٦- المناط في إثبات حجية الأمارة
إلى هنا يتضح ما أردنا أن نرمي إليه، و هو أن المناط في إثبات حجية الأمارات و مرجع اعتبارها و قوامها ما هو؟
إنه العلم القائم على اعتبارها و حجيتها، فإذا لم يحصل العلم بحجيتها و اليقين بإذن الشارع بالتعويل عليها و الأخذ بها، لا يجوز الأخذ بها و إن أفادت ظنا غالبا؛ لأن الأخذ بها يكون حينئذ خرصا و افتراء على الله تعالى.
و لأجل هذا قالوا: يكفي في طرح الأمارة أن يقع الشك في اعتبارها (١)، أو فقل على الأصح: يكفي ألا يحصل العلم باعتبارها، فإن نفس عدم العلم بذلك كاف في حصول العلم بعدم اعتبارها، أي: بعدم جواز التعويل عليها و الاستناد إليها، و ذلك كالقياس و الاستحسان و ما إليهما و إن أفادت ظنا قويا.
و لا نحتاج في مثل هذه الأمور إلى الدليل على عدم اعتبارها و عدم حجيتها، بل بمجرّد عدم حصول القطع بحجيّة الشيء يحصل القطع بعدم جواز الاستناد إليه في مقام العمل، و بعدم صحة التعويل عليه، فيكون القطع مأخوذا في موضوع حجية الأمارة (٢).
معلوما.
هذا و قد استفاد الميرزا من مسلكه السابق- و هو تفسير جعل الحجيّة بجعل العلمية- في الرد على هذه الشبهة، فإنه بقيام الأمارة على الواقع المجهول يصبح معلوما و يكون العقاب على مخالفته عقابا مع البيان.
و يرده: أ- أن الجواب المذكور لو تم- و سيأتي عدم تماميته- فهو إنما يتم في موردين: الأمارات و الأصول المحرزة، و لا يتم في الأصول غير المحرزة.
أما إنه يتم في الأمارات: فلأن المجعول فيها هو العلمية، و بعد حصول العلم يكون ثبوت العقاب و التنجّز وجيها.
و أما أنه يتم في الأصول المحرزة كالاستصحاب: فلأنه فيها ينزل الاحتمال منزلة اليقين، فاحتمال بقاء الحالة السابقة ينزل اليقين ببقائها و يصير المستصحب عالما بالبقاء، و بعد علمه يكون استحقاقه للعقاب على المخالفة مناسبا.
و أما إنه لا يتم في الأصول غير المحرزة كأصالة الاحتياط: فلأنه لم ينزل الاحتمال فيها منزلة اليقين حتى يكون المكلّف عالما و مستحقا للعقاب على المخالفة.
(١) لأن الشك في حجية الأمارة يساوق عدمها.
(٢) أي: أن الحكم ثابت للأمارة المقطوع بحجيتها؛ لا إن الحكم ثابت لذات الأمارة. إذا: موضوع الحكم- الأمارة+ القطع بحجيتها.