المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٧ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
و عليه، فمقتضى القاعدة مع إمكان الجمع عدم جواز طرحهما معا على القول بالتساقط، و عدم طرح أحدهما غير المعين على القول بالتخيير، و عدم طرح أحدهما المعين غير ذي المزية مع الترجيح.
و من أجل هذا تكون لهذه القاعدة أهمية كبيرة في العمل بالمتعارضين، فيجب البحث عنها من ناحية مدركها، و من ناحية عمومها لكل جمع حتى الجمع التبرعي.
١- أما من الناحية الأولى، فمن الظاهر إنه لا مدرك لها إلّا حكم العقل بأولوية الجمع؛ لأن التعارض لا يقع إلّا مع فرض تمامية مقومات الحجية في كل منهما من ناحية السند و الدلالة، كما تقدم في الشرط الرابع من شروط التعارض (ص ٢٨٧)، و مع فرض وجود مقومات الحجية- أي: وجود المقتضي للحجية- فإنه لا وجه لرفع اليد عن ذلك إلّا مع وجود مانع من تأثير المقتضي؛ و ما المانع في فرض التعارض إلّا تكاذبهما، و مع فرض إمكان الجمع في الدلالة بينهما لا يحرز تكاذبهما فلا يحرز المانع عن تأثير مقتضى الحجية فيهما، فكيف يصح أن نحكم بتساقطهما أو سقوط أحدهما؟
٢- و أما من الناحية الثانية، فإنا نقول: إن المراد من الجمع التبرعي ما يرجع إلى التأويل الكيفي الذي لا يساعد عليه عرف أهل المحاورة و لا شاهد عليه من دليل ثالث.
و قد يظن الظان: أن إمكان الجمع التبرعي يحقق هذه القاعدة و هي أولوية الجمع من الطرح بمقتضى التقدير المتقدم في مدركها، إذ لا يحرز المانع و هو تكاذب المتعارضين حينئذ، فيكون الجمع أولى.
و لكن يجاب عن ذلك: إنه لو كان مضمون هذه القاعدة المجمع عليها ما يشمل الجمع التبرعي فلا يبقى هناك دليلان متعارضان، و للزم طرح كل ما ورد في باب التعارض من الأخبار العلاجية إلّا فيما هو نادر ندرة لا يصح حمل الأخبار عليها،
٥- إن الجمع العرفي يختص بحالة ما إذا كانت القرينة منفصلة دون ما إذا كانت متصلة؛ إذ في حالة اتصال القرينة- كما لو قال المتكلم: أكرم العلماء العدول- لا يبقى ظهور لأكرم العلماء في العموم ليعارض العدول و يجمع بينهما جمعا عرفيا، بخلافه في صورة الانفصال، كما لو قيل: أكرم العلماء ثم قيل بعد فترة: لا تكرم العلماء الفساق، فإن ظهور الكلام الثاني يتعارض و ظهور الكلام الأول فيجمع العرف بينهما بالتخصيص».